Site icon IMLebanon

التضخم 825 في المئة… والأسعار إلى مزيد من الارتفاع

 

 

في الفترة الممتدة بين مطلع 2019 ونهاية كانون الثاني 2022 زادت الأسعار بنسبة 825%. إلا أن هذه الزيادات ليست «مشبعة» بعد بكل الارتفاع اللاحق لسعر الدولار، ولا تتضمن زيادات كلفة التعليم والاتصالات وجزءاً من الزيادات الطارئة على أسعار الصحة… باختصار، وبعد تجرّع كل هذا التضخّم، الأسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع!

 

رغم عودة مصرف لبنان إلى تثبيت سعر الليرة على سعر يُراوح بين 20 ألف ليرة و21 ألفاً من خلال تدخّله في السوق بائعاً للدولار عبر التعميم 161، منذ منتصف كانون الأول 2021، واصلت الأسعار ارتفاعها لتسجّل ارتفاعاً تراكمياً في كانون الثاني 2022 بنسبة 825% مقارنة مع 700% نهاية الشهر الذي سبق. سبب هذه القفزة أمران: الأول يتعلق بالهامش الكبير بين ارتفاع سعر الدولار وبين ارتفاع الأسعار، أي أن الأسعار لم تصل إلى مرحلة استيعاب كل الارتفاعات اللاحقة بسعر الدولار. والثاني يتعلق بقفزات كبيرة في السلع المرتبطة ببند الصحّة كالطبابة والدواء والاستشفاء التي كان بعضها مدعوماً في الفترة الماضية ورُفع الدعم عنه، علماً بأن هناك بنوداً أخرى في المؤشّر لا تزال تُظهر نسباً متدنية مقارنة بما يحصل على أرض الواقع، كالإيجارات والتعليم وسواهما.

 

وبحسب مؤشر الأسعار الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي فإن هناك أسعاراً سجّلت تضخماً تراكمياً رباعي الرقم، وأسعاراً سجّلت تضخماً تراكمياً ثلاثي الرقم. هذا الفرق يعود إلى أن بعض السلع والخدمات مرتبطة بأسعار رسمية مسجّلة في إدارات عامة كالاتصالات مثلاً، بينما هناك بنود مرتبطة بمواسم كالتعليم الذي لا يسجّل ارتفاعاً في السعر كل شهر بل مرّة في السنة، كما أن هناك بنوداً أخرى، كالإيجارات، يُعتقد بأنها لم تسجّل ارتفاعات كبيرة بسبب ثغرات في عملية جمع الداتا. إذ من المستغرب أن المعاينة الميدانية لأسعار الإيجارات تشير بما لا لبس فيه إلى أنها سجّلت ارتفاعات كبيرة، ولا سيما في بيروت وضواحيها، من دون أن تتمكن إدارة الإحصاء المركزي من استشعار هذا التطوّر.

الفروقات واضحة جداً بين العناصر الثلاثة إذا أخذنا أرقام المؤشّر في نهاية كانون الثاني 2019 وفي نهاية كانون الثاني 2022، إذ نجد أن التضخّم التراكمي خلال ثلاث سنوات سجّل الآتي:

– زادت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية 3206%، وأسعار المشروبات الروحية والتبغ والتنباك و2666%، وأسعار الألبسة والأحذية 2721%، وأسعار النقل 2287%، وأسعار المطاعم والفنادق 3927%، وأسعار الأثاث والتجهيزات المنزلية والصيانة 3145%.

– ارتفعت أسعار الاتصالات 161%، اي أنها لم تسجّل ارتفاعاً متناسقاً مع ارتفاع بقية البنود في المؤشّر لأن التسعيرة الرسمية لا تزال تُحتسب على سعر صرف يبلغ وسطياً 1507.5 ليرات، وبالتالي فإن الارتفاع المسجّل ناجم عن ارتفاع بعض الأكلاف التشغيلية للتجار العاملين في هذا المجال، فيما الكلفة الأساسية للخدمة ما زالت على حالها قبل عام 2019.

– زادت أسعار التعليم بنسبة 55% فقط. سبب هذا الارتفاع «البسيط» أن الأقساط المدرسية تُعلن مرّة واحدة في السنة، ولم تطرأ عليها زيادات واضحة عامة، بل هناك زيادات قامت بها كل مدرسة على حدة وربما لم تصرّح عنها بشكل واضح بعد. فغالبية المدارس استوفت أقساطاً إضافية ليس واضحاً إذا ما سجّلت في الميزانيات على أنها أقساط. كما أن سلّة كلفة التعليم تتضمّن عدداً هائلاً من المدارس الرسمية التي لم تزد أسعارها نهائياً، فضلاً عن مدارس خاصة شبه مجانية لم تزد أسعارها بشكل كبير أو أنها لم تصرّح عن هذه الزيادات حتى لا تخسر المساعدات من الخزينة. وبشكل عام، لا تزال كلفة التعليم متدنية، إلا أنه بحلول السنة المقبلة سنشهد تضخماً كبيراً في أسعارها.

 

زادت أسعار المواد الغذائية 3206% والألبسة والأحذية 2721% والنقل 2287%

 

 

– سجّلت أسعار الصحّة تضخماً تراكمياً بنسبة 538%. وهي لم تسجّل ارتفاعات ملحوظة إلا منذ تموز 2021 وحتى نهاية كانون الثاني 2022. ففي هذه الفترة فقط زادت الأسعار بنسبة 350%، فيما كان مؤشّر الصحة يبلغ 98.62% في نهاية كانون الأول 2018، وارتفع إلى 129.77 في نهاية حزيران 2021، أي أن التضخم في هذه الفترة كان يبلغ 31.6% فقط. والسبب يعود إلى أن أسعار الصحة كانت مدعومة على مدى طويل، وما زال بعضها مدعوماً بنسبة أقلّ من السابق. ومع رفع الدعم التدريجي ابتداءً من تموز 2021، بدأت الأسعار تسجّل ارتفاعات ملحوظة، علماً بأن هذه الأسعار ما زالت قابلة لمزيد من الارتفاعات خلال الأشهر المقبلة.

ما الذي يمكن استنتاجه من هذه الأرقام كلّها؟ هناك الكثير من المسائل التفصيلية لكن جميعها تؤدي إلى أمر واحد: مع انتهاء الدعم الذي كان يقوده مصرف لبنان من خلال تمويل استيراد بعض السلع والمواد الغذائية ثم المحروقات والدواء وبعض السلع والخدمات الاستشفائية، بدأت الأسعار ترتفع بشكل تدريجي من دون أن تثير سخطاً كبيراً في الشارع. عملياً، فرض على المقيمين في لبنان تجرّع عملية رفع الدعم بشكل بطيء غير قاتل مباشرة. عملية الإفقار صارت «على مهل» ومن دون أي احتجاجات أو اعتراضات. الكل كان يرضى بهذا الواقع لأن السلطة روّجت يومها بأن رفع الدعم يؤدي إلى توفّر السلع ويوقف تقنينها في السوق. الآن توقّف الدعم وصارت الأسعار مبرمجة في الأذهان بأن مستواها حقيقي وهو مقبول رغم أنه مثير للاستغراب أحياناً.