Site icon IMLebanon

لإستثمارات في الإقتصاد قبل فوات الأوان

الأن، وقد أصبح المشهد السياسي مكتملا بوجود رئيس وحكومة، أصبح من الضروري الإلتفات إلى الشق الاقتصادي خصوصا أن شبه الإجماع السياسي يُقصي حجة الإرتباط العضوي بين الاقتصاد والسياسة. من هذا المُنطلق نرى أن أهم الإجراءات الواجب إتخاذها هي تحفيز الإستثمارت.

تكمن المُهمّة الأساسية للمصارف في تمويل الدورة الإقتصادية بشقّيها الإستثماري والإستهلاكي، هذا ما تنصّ عليه النظرية الإقتصادية.

يُمكن تقسيم الإقتصادات إلى قسمين بحسب طبيعة تمويل الإستثمارات: الإقتصادات التي تتموّل عبر القطاع المصرفي – Banking Sector Dominated، والإقتصادات التي تتموّل من الأسواق المالية – Financial Sector Dominated.

تتميّز الإقتصادات التي تتموّل من الأسواق المالية بتطورها بحكم أن الزيادة في الدخل الفردي تدفع في إتجاه تمويل الأسواق المالية التي بدورها تُموّل الاقتصاد ويعود السبب إلى أن زيادة الدخل تدفع إلى زيادة الطلب على الخدمات المُتطوّرة التي تؤمنها الأسواق المالية. من هنا نرى الدور الأساسي للأسواق المالية في إقتصادات الدول الكبرى التي تتأثر بدرجة كبيرة بحال الأسواق.

في حين أن الإقتصادات التي تتموّل عبر المصارف، تُصنّف بالإقتصادات النامية وذلك بحكم أن الزيادة في الدخل الفردي تُترجم بإرتفاع حجم الودائع في المصارف التي تمتلك قدرة تسليفيّة عالية تسمح لها بتمويل الإستثمارات في الإقتصاد.

قام الباحث «كنت» (Kunt et al. 2011) بوصف آلية تمويل الاقتصاد عبر قوله أن إستمرار النمو في إقتصاد معين، يجعل الإنتاج يتعلق بنسبة أقل بتقلبات القطاع المصرفي وبنسبة أكبر بالأسواق المالية.

قام Kharroubi& Cecchetti عام 2012 برسم علاقة بين نمو الاقتصاد في الإقتصادات التي تتموّل من المصارف وحجم القطاع المصرفي وهي علاقة على شكل حرف U مقلوب. بمعنى أخر، لا يستطيع القطاع المصرفي تمويل إقتصاد إذا كان حجمه صغيرًا وبالتالي كلما إزداد هذا الحجم إزداد تمويل الاقتصاد وبالتالي النمو الاقتصادي إلى حين وصوله إلى حجم مُحدّد يُسمّى بـ Critical Size يُصبح من بعدها تأثير ارتفاع حجم القطاع المصرفي على النمو سلبيا.

الاقتصاد اللبناني هو إقتصاد غير مُتطوّر ويعتمد بالتمويل على المصارف اللبنانية. وبالنظر إلى الأرقام نرى أن الـ Critical Size للقطاع المصرفي اللبناني يبلغ ١٢٥ مليار دولار أميركي حيث أن الفترة التي سبقت العام ٢٠٠٨ شهدت نموًا مُرتفعًا بحكم أن المصارف تولّت تمويل الاقتصاد بشكل مقبول. إلا أنه ومع إزدياد المخاطر امتنعت المصارف اللبنانية عن تمويل الإستثمار وبقي حجم القطاع يكبر مع الوقت حتى بلغ حجم ودائع القطاع الخاص ١٥٨ مليار د.أ حتى أيلول ٢٠١٦.

وهنا يظهر إلى العلن عمق المُشكلة التي بدأت تفرضها ودائع بهذا الحجم من ناحية أن هناك إلزامية على المصارف لإستثمار هذه الودائع في مكان ما لكي تستطيع دفع الفوائد عليها وكان الخيار سندات الخزينة.

الشقّ الأكبر من محافظ المصارف اللبنانية منذ العام ٢٠١٠ يحتوي على سندات خزينة والتي تؤمّن لها عائدات مُرتفعة مع خطر قليل مقارنة بالقطاع الخاص. من هنا نرى أن المصارف وقعت في فخ إستراتيجيتها التي ترفض تمويل الماكينة الإقتصادية وتُفضّل تمويل عجز الدولة اللبنانية ودينها العامّ. فالتوقف عن تمويل الدولة يعني هلاك المصارف والإستمرار في التمويل في غياب الإصلاحات ولجم العجز يؤدّي إلى تأخير الهلاك.

في هذا الوقت لمّ تتوقف المصارف عن تمويل الإستهلاك عبر سياسة مُفرطة أوصلتها إلى قروض بقيمة ٥٧ مليار د.أ في أيلول العام ٢٠١٦(مُعظمها قروض إستهلاكية) مقارنة بـ ١٧ مليار د.أ في العام ٢٠٠٤ أي بزيادة ٢٣٧٪، وبالتالي أصبح تعرّض المصارف للقطاعين العام والخاص مُرتفعا جدًا (٩٢ مليار د.أ حتى أيلول ٢٠١٦). ويُمكن القول أن قروض المصارف لا تدخل في الخانة المطلوبة أي الإستثمار في الاقتصاد.

الإستثمار في الاقتصاد هو الوحيد الذي يُمكن أن يؤمّن النمو ولا نعرف إقتصادا نما من دون إستثمارات. من هذا المُنطلق قام حاكم مصرف لبنان بوضع رزم تحفيزية لتمويل الإستثمارات طالت بشكل أساسي قطاع العقارات والتكنولوجيا. وهذا الأمر أدّى إلى زيادة في النمو بقيمة ٠.٥٪ سنويًا. هذا الإجراء إضافة إلى تحاويل المُغتربين سمح بتسجيل النمو الذي سجّله لبنان في الأعوام المُنصرمة.

لكن الاقتصاد اللبناني الذي يحتاج إلى أكثر من ٣٠ مليار د.أ إستثمارات على مدى عشر سنوات، لا يُمكنه أن يكتفي بالأموال التي رصدها مصرف لبنان (أساسًا هذا الأمر هو من صلاحيات الحكومة ويدخل في نطاق سياستها المالية). لذا يتوجب جذب رؤوس الأموال داخليًا وخارجيًا.

هيكلية الاقتصاد اللبناني والإطار الأمني والسياسي الذي يعيشه لبنان، جعل المُستثمر اللبناني يستثمر في الخارج بدلًا من الإستثمار في بلده.

وتُشير أرقام كفالات إلى حجم قروض بقيمة ٩٣ مليون د.أ في العام ٢٠١٥ و٨٧.٢ مليون د.أ حتى تشرين الأول ٢٠١٦ مقارنة بـ ٦١٩ مليون د.أ. في الخارج. وهذا يسمح بالقول أن توفر الأموال ليس المُشكلة بقدر تردّي الوضع السياسي وغياب الإصلاحات.

جذب رؤوس الأموال يجب أن يتمّ عبر إصلاحات إقتصادية وقانونية وإجراءات سياسية. على صعيد الإصلاحات، المطلوب إقرار قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص لأن القطاع الخاص يمتلك المال وهذا ليس حال الدولة اللبنانية. ويسمح هذا القانون بالإستفادة من هذه الأموال ومن خبرة القطاع الخاص على المنصّة العامة.

هذا القانون يجب أن يترافق مع حدّ أدنى من الشفافية في المناقصات العامّة تحت طائلة تفريغ القانون من مضمونه على صعيد توزيع عادل للثروات كلّ بحسب عمله.

أمّا على الصعيد السياسي، فيتوجّب على السلطة التنفيذية إعادة تطبيع العلاقات مع دول الخليج التي كانت تؤمّن (حتى العام ٢٠١٠) الأساس من الإستثمارات الأجنبية المُباشرة في لبنان والتي بلغت الـ ٤.٥ مليار دولار أميركي.

وتمّ وقف هذه الإستثمارات بُعيد إسقاط حكومة الرئيس الحريري في العام ٢٠١١ كردّ على هذا الإسقاط. اليوم، ومع إنتخاب رئيس للجمهورية وعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، يتوجّب العمل بسرعة على عودة الإستثمارات الخليجية خصوصا أن هذا الأمر فيه مصلحة للبنان والخليج.

فعائدات الإستثمارات في لبنان عالية جدًا في بعض القطاعات مثل قطاع التكنولوجيا الذي يُعطي عائدات تفوق الـ ٢٠٪ وهذا الأمر يدخل في نطاق سياسة دول الخليج من ناحية تنويع المداخيل.

في الختام لا يسعنا القول إلا أن النمو الاقتصادي هو الوحيد القادر على إمتصاص تمدد حجم الدين العام وعجز الموازنة. لذا يتوجب الإسراع في وضع خطّة إقتصادية تُترجم في موازنة على فترة ٥ سنوات تُساعد في لجم العجز على مثال ما قامت به المملكة العربية السعودية.