Site icon IMLebanon

إستثمارات، تضخّم، فوائد عالية.. ماذا يقول العِلم؟

 

مع كثرة المزايدات في التصاريح الرسمية عمّا يجب القيام به وما لا يجب القيام به، يبقى العلم هو باب الخلاص الوحيد الذي يُمكن اعتماده لطرح حلول فعّالة. هذا الأمر مُثبت من خلال القرارات غير الصائبة التي طالت سلسلة الرتب والرواتب وقد تطال اليوم بعض الإجراءات التي تهمّ الحكومة باتخاذها.

 

النظرية «الكينيزية» تنصّ على أنّ الزيادة في الكتلة النقدية لا تؤثّر مباشرة في الأسعار على الأمد القصير، وبالتالي فإن التضخّم يأتي من الضغط في الإقتصاد. وهناك ثلاثة أنواع من التضخّم أو ما يُسمّى بنظرية المثلث:

 

أولًا – التضخّم الناتج من زيادة الطلب (Demand-pull Inflation): ويُعتبر هذا النوع الأكثر شيوعًا، وهو ناتج من زيادة الطلب في القطاعين العام والخاص، حيث أنّ هذه الزيادة تُحفّز الإستثمار وتدفع المورّدين إلى رفع الأسعار سريعًا.

 

ويتسارع التضخّم عندما لا تستطيع الماكينة الإنتاجية تلبية الطلب المُتسارع (Potential Output) مما يعني أنّ أي تغيير في عوامل قد تزيد من الطلب، تتحوّل تلقائياً إلى تضخّم. بالطبع على الأمد البعيد، لا يُمكن إبقاء الطلب على مستويات عالية إلّا من خلال زيادة الكتلة النقدية.

 

ثانيًا – التضخّم الناتج من قلّة العرض (Cost-push Inflation): وينتج هذا النوع من تراجع في العرض الكلّي، والذي قد يُسببه إرتفاع في أسعار النفط مثلًا أو كارثة أو حرب… مما يدفع الموظّف إلى طلب زيادة في الأجور.

 

هذه الأخيرة (وعلى الرغم من أحقيتها) إلّا أنّها تتحوّل إلى تضخّم إضافي، وبالتالي يتمّ أخذ هذا التضخم في الإعتبار، وبالتالي الطلب من جديد زيادة الأجور، مما يعني الدخول في حلقة مُفرغة.

 

ثالثًا – التضخّم الضمني (Built-in Inflation): ويأتي هذا التضخّم نتيجة رغبة الموظف في الحفاظ على أجر أعلى من نسبة التضخّم، مما يعني الطلب إلى صاحب العمل زيادة الأجر ليتمّ تحميل هذه الزيادة في نهاية الأمر على المُستهلك النهائي.

 

البيانات التاريخية تُظهر أنّ التضخّم الذي مرّ به لبنان في أواخر العام 2017 وحتى الربع الثالث من العام 2018 هو مزيج من النوعينDemand-pull Inflation وCost-push Inflation. فإقرار سلسلة الرتب والرواتب أثّر بشكل مباشر على الطلب الذي زاد بشكّل كبير، لم تستطع معه الماكينة الإنتاجية (وهي الضعيفة بالأساس) أن تُلبّي هذا الطلب. أيضاً أدّى الإرتفاع في أسعار النفط العالمية إلى زيادة الكلفة وبالتالي إرتفاع الأسعار.

 

وإذا كان أصحاب المدرسة النقدية يعتقدون أنّ تأثير الكتلة النقدية على التضخّم يُصبح أوضح في أوقات الأزمات، إلّا أنّ البيانات التاريخية تُظهر أنّ الرزم التحفيزية التي أطلقها مصرف لبنان والتي تُرجمت بزيادة في الكتلة النقدية ساعدت في زيادة النمو الإقتصادي.

 

هذه الزيادة في الكتلة النقدية بقيت في الهامش المُعتمد دولياً مع أقلّ من 6٪ (مثلًا في الإتحاد الأوروبي لا تتعدّى هذه الزيادة الـ 4,5٪ سنويًا).

 

أيضًا نلحظ من هذه البيانات، أنّ التضخّم لم يكن نتاج الزيادة في الكتلة النقدية، بل نتيجة عوامل مُرتبطة بالطلب، التي تُعتبر الكتلة النقدية أحد مكوناته.

 

والجدير ذكره، أنّ المصارف المركزية في كل دول العالم لا تملك سيطرة كاملة على الكتلة النقدية إلّا من باب سعر الفائدة (على الأمد القصير).

 

على صعيد آخر، تُشير البيانات التاريخية، أنّ التضخّم وصل إلى مستوى سلبي في العام 2016 قبل أن يرتفع إلى مستوى الـ 7٪ في العام 2017. ونرى أنّ التغيّرات في الناتج المحلّي الإجمالي توازي التغيّرات في الكتلة النقدية م3، مما يعني أنّ هذا النمو مُبرّر إلى حدّ كبير بزيادة الكتلة النقدية.

 

إلّا أنّ الصدّمة التي تعرّض لها سوق العرض والطلب جرّاء إقرار سلسلة الرتب والرواتب وارتفاع أسعار النفط، جعل من شبه المستحيل الحفاظ على نسبة نمو مقبولة.

 

ولتفادي الكارثة على الصعيد النقدي إضطرّ مصرف لبنان، في سياسته النقدية، الى الأخذ في الإعتبار عاملين: الأول خطورة الضخ الكبير للأموال الناتج من سلسلة الرتب والرواتب. والثاني الرغبة الضمنية لأصحاب هذه الأموال بتحويل الليرة إلى دولار أميركي.

 

وإذا استطاع مصرف لبنان السيطرة على التضخّم بشكل سريع، من خلال الأداة التقليدية والمُتمثّلة بسعر الفائدة، إلّا أنّ سحب السيولة من الأسواق كان أكثر من ضروري، مع إمتلاك لاعبين إقتصاديين لأموال ولا عقلانية في قرار الإستثمار.

 

بالطبع، الخروج من هذا الواقع وبحسب «كينيزي» يتمّ من إخلال إستثمار الحكومة في الإقتصاد، بهدف إعادة ثقة المُستثمرين، باقتصاد تمّ ضربه لحظة أُقرّت السلسلة بتمويل أقلّ ما يُقال إنه بعيد عن الواقع، وبكلفة أقلّ ما يُقال إحتوت على كثير من المُغالطات. الإستثمارات يجب أن تتمّ في العديد من القطاعات وبالدرجة الأولى في البنى التحتية نظراً إلى العدد الكبير من الوظائف التي تخلقها مثل هذه المشاريع.

 

يبقى القول، إنّ الإستثمارات في لبنان، أكانت مُموّلة من «سيدر» أو من القطاع المصرفي، تفرض لجم إنفاق الدولة، التي أصبحت بحكم ماليتها تُشكّل خطراً على الإقتصاد وعلى القطاع الخاص.

 

هذا الواقع يفرض موازنة في العام 2019 واقعية وذات مصداقية لا تشبه موازنة العام 2018 التي شابها العديد من العيوب والقرارات السيئة. ولكن أيضاً التطبيق لم يكن على المستوى المطلوب.

 

إنّ الخيارات الإقتصادية يجب أن تعتمد على حقائق علمية، لأنّ هذه الأخيرة هي الوحيدة القادرة على إخراج الإقتصاد اللبناني من الحلقة المُفرغة التي تتمثّل بأسعار فائدة مُرتفعة تلجم الشهية للإستثمار، ولكن خفضها يضرب الثبات النقدي أيضاً.