Site icon IMLebanon

إيران بين القضم والحوار

لا تظهر تصريحات يدلي بها مسؤولون إيرانيون عن «التوسع الإمبراطوري» الذي حققته طهران، وهو أمر لا يجانب الحقيقة، حتى يعودوا فيوضحون ويعدّلون في هذه التصريحات التي تستفز الدول العربية والإسلامية التي تتوجس من طموحات ايران «الإمبراطورية».

زخر هذا الأسبوع، كما هي الحال كل بضعة أشهر، بالتصريحات الإيرانية التي تستعيد الأحلام الإمبراطورية. وما لبث بعض المسؤولين الإيرانيين الذين أدلوا بهذه التصريحات أن عدلوا فيها أو أوضحوا بعض العبارات التي تضمنتها. فمستشار الرئيس الإيراني، علي يونسي، كان قال إن «إيران أصبحت اليوم إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها حالياً بغداد وهي مركز حضارتنا وثقافتنا كما في الماضي… وجغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك…». وإذ هاجم يونسي التطرف الإسلامي والعثمانيين الجدد والسعودية والغرب والصهيونية في قوله إن «كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية»، يوم الإثنين الماضي، فإنه عاد أول من أمس وقال إن بلاده «تحترم سيادة واستقلال دول المنطقة ولا تتدخل في شؤونها الداخلية لا سيما العراق». وفي تصريحه الجديد حرص يونسي على تطمين جيرانه بأن «الحدود مرسومة بين دول المنطقة وإيران لا تفكر بالتوسع وإن الإمبراطوريات السابقة لن تعود ويمكن أن يحل مكانها التنسيق الثقافي والاقتصادي والسياسي بين دول المنطقة».

كان لا بد من هذا التوضيح في سياق جملة أحداث منها:

1 – إنه شكّل إحراجاً لأحد حلفاء طهران في بغداد، وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري الذي كان يحضر في القاهرة اجتماع وزراء الخارجية العرب تحضيراً للقمة العربية في 28 الجاري. فالأخير اضطر للرد بالتأكيد على استقلال وسيادة بلاده.

2 – إن يونسي والمحسوب على الإصلاحيين، أدلى بكلامه في وقت يجول رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني على دول خليجية (الكويت وقطر) ليدعو إلى الحوار في حل الأزمات الداخلية في الدول التي انغمست إيران في مشاكلها الداخلية بدعمها فرقاء ضد آخرين ومدهم بالسلاح والرجال كما في اليمن.

3 – إنها تصريحات تقوّض محاولة من قبل سلطنة عمان، كما تردد في بعض التقارير، لفتح قنوات التباحث مع طهران، من أجل إيجاد حل سلمي للانقسام الحاصل في اليمن وسائر الدول التي تتدخل فيها طهران.

والمبادرة العُمانية أعقبها نوع من الغطاء السعودي عبر الخطاب الذي ألقاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، داعياً الى «التضامن العربي والإسلامي وحل الخلافات بالطرق السلمية ونهج الحوار لتنقية الأجواء وتوحيد الصفوف…». إلا أنه شدد أيضاً على «احترام مبدأ السيادة ورفض التدخل في شؤوننا الداخلية…».

إلا أن توضيح يونسي لم يسعف طهران كثيراً في تبديد سياسة الاستهزاء بعقول القادة العرب. فالعقل القومي الفارسي يمارس ازدراء تاريخياً للعرب، ويستثني أحياناً الدولة الأكبر بينهم أي مصر، لأنها ساهمت عبر التاريخ في هزم التوسع الإمبراطوري الفارسي.

فمع توضيحه الثاني تحدث قائد «الحرس الثوري» محمد علي جعفري عن التأثير المتزايد للثورة الإسلامية في العالم الإسلامي وعن فتح مرحلة تصدير الثورة فصلاً جديداً. وواكبه قول مستشاره الجنرال حسين الهمداني إن العسكريين الإيرانيين حرروا 85 في المئة من الأراضي السورية وأن «الحرس الثوري» باشر إنشاء مجموعات دينية جديدة في سورية وأنشأ 42 لواء و140 كتيبة تقاتل إلى جانب نظام بشار الأسد معتبراً ذلك من أهم إنجازات قوات «الباسيج» في بلاد الشام.

تعتمد طهران سياسة القضم لتوسيع النفوذ الإقليمي، ثم تلجأ إلى طلب الحوار لتثبيت الاعتراف بما قضمته لتسقط الحل السياسي كما حصل في اليمن، بإنهاء الحوثيين للمبادرة الخليجية، ثم تعود إلى البحث في تسوية جديدة على أنقاض السابقة لتكريس مكتسباتها. تستبق إمكان الاتفاق مع دول 1+5 على النووي فتتقدم للمزيد من السيطرة الميدانية، بالاعتماد على قاعدة طائفية ومذهبية، ثم تسبغ إنجازاتها العسكرية بالرغبة في «التنسيق الثقافي»، على وقع ردود فعل مذهبية ضد سعيها إلى السيطرة، لا تنتج سوى مزيد من الحروب والانقسامات، وتشترط رفع العقوبات الاقتصادية عنها منذ اليوم الأول لتطبيق اتفاقها مع المجتمع الدولي على النووي، لتتمكن من هضم التوسع الذي تحرزه في موازاة التفاوض مع الدول الكبرى.