“لا تطلبوا منا شيئًا بعد الآن”. هكذا خاطب نعيم قاسم اللبنانيين والدولة والمجتمع العربي والدولي بكل عنجهية واستكبار، معلنًا أنه ماضٍ في فرض نفسه حاكمًا بأمر البلد بالقوة والإكراه.
وما زاد الاستفزاز خطورة توقيت كلام قاسم على بُعدِ ساعات من لقاء ترامب – نتنياهو الذي قصد الاجتماع لأخذ الضوء الترامبي الأخضر لاستكمال ما يراه الإسرائيليون من عمليات للقضاء على “حزب الله” بعد حرب الإسناد التي وقع “الحزب” اتفاقًا لوقفها ويريد أن يتملص منه اليوم.
لا بد من التذكير هنا أن الوجود العسكري والنفوذ المتغلغل للحرس الثوري الإيراني في لبنان يشكلان حالة احتلال واقعي معلن بحكم الواقع، يتجاوز الدعم السياسي إلى التحكم بالقرار السيادي والأمني، عبر تنظيم مسلّح يعمل خارج مؤسسات الدولة ويصادر حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم.
هذا الواقع لم يعد قابلاً للتجميل تحت عناوين “المقاومة” أو “الدعم الأخوي”، بعدما تبيّن أن كلفته كانت انهيار الدولة، عزل لبنان عربيًا ودوليًا، وربطه بصراعات لا مصلحة له فيها. من هنا، تصبح ضرورة قطع العلاقات السياسية والأمنية مع إيران خطوة سيادية لا عدائية، تهدف إلى استعادة استقلال القرار اللبناني، وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإعادة لبنان إلى محيطه الطبيعي كدولة محايدة لا ساحة نفوذ أو منصة صراعات إقليمية.
والسؤال هنا: كيف يمكن قبول هذا الاحتلال للبنان بينما ينتفض الشعب الإيراني ضد النظام الديكتاتوري في طهران وقد بدأت منظومته بالتفكك مع اندلاع التظاهرات الشعبية وإعلان الرئيس الإيراني يأسه من الإنقاذ واستقالة حاكم المصرف المركزي الإيراني… وانفتاح الحدث الإيراني على تطورات تهدد مصير هذا النظام الذي تفاخر ذات يوم باحتلال أربع عواصم عربية.
وبعد التطورات التي طرأت على الحالة الصحية والنفسية للرئيس نبيه بري، ومع هذا الانحراف والانجراف الحاصل في رئاسة مجلس النواب نحو التطرف الشيعي السياسي، بات من الضروري التأكيد أن بري يفقد أهليته ومصداقيته لرئاسة البرلمان ويتجلى هذا التطور في امتناعه عن الظهور العلني وغيابه عن إلقاء الخطابات والتصريحات العامة، وحصر ظهوره باستقبالات مقننة منقطعة عن الحالة الطبيعية وما ينتج عن سلوكه المنحاز من كوارث في الحياة السياسية، الأمر الذي يُسهّل التأثير عليه من جهات مختلفة، في مقدمها إيران.
وأمام هذا التردي في حالة بري العامة بدأت أوساط القرار تتحدث عن أنه حان الوقت لتنحيه وإفساح المجال لقيادة شيعية جديدة قادرة على تلبية احتياجات البلاد ومواكبة ما تحتاجه من تشريع متطور يستجيب للتحديات التي تنتظر لبنان.
أصبح المشهد الآن شديد الوضوح
لبنان محاصر بين احتلالين، إسرائيلي مكشوف وإيراني معروف… وشعب يكافح للتحرر والاستقلال عن عدوين أحدهما أخطر من الآخر، ولا مخرج إلا في استظلال الدولة فهي الرجاء الأخير لحماية الجميع.
