في موازاة تعثر الخطوات الأولى التي قال بها مسار «إسلام آباد» منذ جلسته الأولى في 11 و12 نيسان الماضي، وتجدّد العمليات العسكرية في مضيق هرمز ومحيطه، يستعد «مسار واشنطن» لإطلاق الخطوات العملية الأولى على مستوى «المناطق التجريبية»، بعد جولته الخامسة وقبيل السادسة منها في روما خلال اليومين المقبلين. وهو أمر دفع إلى قراءة جديدة توحي بأنّ «أرانب» مسار واشنطن، يمكن أن تسبق «سلاحف» إسلام آباد. وهذه بعض المؤشرات والدلائل.
عندما تعود مراجع سياسية وديبلوماسية إلى بدايات النزاع بين ما عُرف لاحقاً بمساري «إسلام آباد» و«واشنطن»، يستذكرون اتفاق وقف النار الذي تمّ التوصل إليه في 8 نيسان الماضي على كل الجبهات بما فيها الجبهة الجنوبية اللبنانية. وبعد أن أُعلن عن اول لقاء أميركي ـ إيراني في 11 و 12 من الشهر عينه في عاصمة الدولة الراعية للاتفاق في «إسلام آباد»، عُقد لقاء مماثل بين لبنان وإسرائيل بالرعاية الأميركية في 14 من الشهر نفسه على مستوى السفيرين في العاصمة الأميركية بمشاركة وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو وسفيري واشنطن في بيروت وتل أبيب.
أدّى التلازم في موعدي اللقاءين ما بين العاصمتين الباكستانية والأميركية إلى مواجهة سريعة من أجل الفصل بينهما كما يريد أطراف عدة، وحرصت إيران ومعها «الثنائي الشيعي»، على الربط بينهما على أساس انّهما ملف واحد ومتكامل، ولو كان لبنان ورقة في الملف كما يعتقد المعارضون للخطوة الإيرانية. وعلى هذه الأسس توضحت الصورة ونشب النزاع بين دعاة الفصل والتلازم. فوقفت واشنطن في الصف الأول، ومعها بيروت، بنية رفضها من يفاوض عنها، بعدما تعبت من إيكال المهمّة إلى طرف ثالث غير الراعي الأميركي. واعتبرت تل أبيب انّها غير معنية بتفاهم «إسلام آباد»، ورفضت كل ما انتهى إليه.
ولما كان لكل من الأطراف أسبابه الموجبة، فقد اعتبر لبنان الرسمي، وخصوصاً على مستوى السلطة الإجرائية، انّه يفضّل «الخط المستقل» أياً كانت التكلفة. فالتجارب السابقة تدعو إلى استقلالية القرار اللبناني ولو للمرّة الأولى، وهو ما جسّدته مفاوضات واشنطن التي توزعت بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض في محطة منها، قبل الانتقال إلى روما غداً وبعد غد. وعلى خلفية انّ السلطة الشرعية التي لم يكن لها علاقة بما استُدرج إليه البلد من دون إرادتها، قرّرت خوض غمار المفاوضات مباشرة، بعدما تجرأت على تبنّي نتائج الحرب المدمّرة وما انتهت إليه حتى اليوم من نكبات وهزائم فاقت كل تقدير. وإنّ مهمتها تجنيب البلد مزيداً من الخراب والدمار ووقف النزف المخيف، بعدما تمادت إسرائيل في أعمال التجريف والتدمير وتفجير الأنفاق رغم حجم الأضرار المحتملة.
وإلى هذه الاسباب الموجبة، فالتجارب السابقة عبّرت عن القدرة على لجم التصعيد. فرفع التمثيل الديبلوماسي إلى المفاوضات بتسمية السفير سيمون كرم، لجم خططاً عسكرية كبرى. وهو أمر تكرّر في الجولة الثالثة من المفاوضات، بعد استضافة الثانية منها في البيت الابيض برعاية مباشرة من الرئيس دونالد ترامب، أعطت مفاعيل مماثلة. ولكن ذلك كله لم يساوِ التكلفة الكبيرة التي ترتبّت على حرب «الثأر» لمقتل المرشد الأعلى علي الخامنئي التي أطلقها الحزب بصواريخه الستة في 2 آذار، بعد يومين على الضربة الأولى من الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، والتي قضت في ساعاتها الأولى على المرشد وأفراد من عائلته ومعهم عشرات القادة العسكريين من الجيش والحرس الثوري الإيراني والأمن القومي والخبراء النوويين.
على هذه الخلفيات، بدأ احتساب السباق الذي قام بين المسارين، وجاء تعثر مسار إسلام آباد ليلقي بظلاله على مراحل السباق، وخصوصاً عندما أعطى مسلسل طاولات واشنطن انطباعاً بتقدّمه بأشواط كبيرة، عبر مجموعة من الخطوات التنفيذية التي أدّت إلى ولادة «صيغة الإطار» في 26 حزيران الماضي، وما شكّله من دفع لبداية البحث في الخطوات العملية التي افتقدها مسار إسلام آباد الذي أصابه جمود قاتل. وهو أمر لم يدم طويلاً عندما دخلت قطر على خط المفاوضات المالية المتعلقة بالدفعات التي طلبتها إيران لمواجهة آثار الحرب على أوضاعها النقدية والاقتصادية والمعيشية، فكانت طاولة «بورغنشتوك» التي لم تتمكن من تأمين استمرارية اللقاءات التي تقرّرت، فسقطت مواعيد عدة لاستئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن، ولا سيما منها تلك التي تقرّر عقدها في الدوحة قبل أيام عدة، وآخرها عندما تبخّر موعد اللقاء الثاني في إسلام آباد أول أمس الأحد في 11 تموز الجاري.
وإلى تدهور الوضع الأمني في مضيق هرمز ومحيطه، واستئناف العمليات العسكرية بعد أن جدّدت إيران قصفها البواخر العابرة في مضيق هرمز لمجرد تجنّبها المياه الإقليمية الخاصة بها، ولجوئها إلى مسار الدول المتشاطئة معها لبحر العرب ومضيق هرمز بسلوكها ما بات يُعرف بـ«المسار العماني»، ليزيد من خطورة الوضع، فتجدّدت العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على المواقع الإيرانية الساحلية المطلّة على المضيق ومراكز عسكرية وبنى تحتية أخرى، استدرجت رداً إيرانياً استهدف دولاً عدة من الاردن والكويت والإمارات العربية المتحدة إلى سلطنة عمان وقطر على أساس انّها قصدت قصف قواعد صاروخية أميركية تنتشر فيها على رغم من وجود مسؤوليها الكبار في بعض من عواصمها، وكانت آخرها زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي لمسقط التي تعرّض محيطها للقصف وهو في طريق العودة منها الى طهران.
لكل هذه الأسباب ومعها أخرى لا يمكن تناولها بالتفصيل، يبدو واضحاً أنّ الرهان على مسار إسلام آباد دونه مصاعب وعقبات، لا تتجاوز القدرة على تثبيت وقف النار، وانّ الشروط الإيرانية الجديدة لم تعد تلحظ الوضع في لبنان بمقدار إشارتها إلى خروج واشنطن على «وثيقة التفاهم» معها، فيما لم تردّ أيضاً على الغارات الإسرائيلية الأخيرة في اتجاه أراضيها مباشرة. هذا عدا عن الظروف التي تعوق سيطرتها كاملة على مضيق هرمز، وهو ما يوحي بما يعرفه اللبنانيون جيداً، ومفاده أن تفوز «أرانب واشنطن» بالسباق مع «سلاحف إسلام آباد». فهل يكتمل المشهد بطحشة أميركية مرتقبة ما بين «مفاوضات روما» و»قمة واشنطن» المنتظرة بعد أيام؟
