Site icon IMLebanon

أيّ جاهزية تفتقدها إسرائيل في مواجهة حزب الله؟

لا يتعارض الإقرار الاسرائيلي بعدم الجاهزية لمواجهة شاملة مع حزب الله مع كونها دولة عظمى إقليمياً وذات قدرات تدميرية هائلة. لكنه يعني تسليماً بعدم قدرة إسرائيل على تحقيق نصر حاسم، وحماية عمقها الاستراتيجي، بسبب استمرار تطور قدرات حزب الله وتكتيكاته، والأهم إرادة تفعيلها

تكثر التقارير الاسرائيلية التي تتحدث عن عدم جاهزية اسرائيل لشنّ حرب حاسمة ضد حزب الله. وهو ما يطرح علامات استفهام عن حقيقة هذا الادعاء، خصوصاً أن الكيان يُعدّ دولة إقليمية عظمى على المستوى العسكري والتكنولوجي، حققت انتصارات ضد جيوش عربية في أكثر من حرب، وتحظى بدعم الدولة العظمى في العالم، الولايات المتحدة، اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، فضلاً عن الدعم السياسي والدبلوماسي.

لا يقتصر الحديث عن عدم الجاهزية على تقارير إعلامية أو تقديرات خبراء عسكريين، بل أكدتها تقارير ومواقف رسمية، وعلى رأسها تقرير مراقب الدولة الذي شدد على عدم جاهزية الجبهة الداخلية في مواجهة صواريخ حزب الله. وعلى المستوى العملاني، يؤكد القادة الاسرائيليون منذ عشر سنوات أنهم يواصلون رفع مستوى الجاهزية الهجومية والدفاعية، ومحورها الاستعداد لمواجهة شاملة مع حزب الله. والترجمة العملية التي تعكس هذه الحقيقة امتناع إسرائيل طوال السنوات الماضية عن شنّ الحرب التي تعلن على الدوام أنها تستعد لها.

جوهر الجاهزية التي يتم الحديث عنها يتصل أساساً بتطوير القدرات الهجومية التي يفترض أن تحقق الطموح الاسرائيلي في الانتصار الحاسم. ومنذ حرب 2006، دخل عنصر جديد على الجاهزية يتصل بالقدرات الدفاعية والاعتراضية عن جبهتها الداخلية.

قبل تلك الحرب، كان المفهوم السائد في الوعي الاسرائيلي، قيادة وجمهوراً، أن اسرائيل كانت تملك ما يكفي من القدرات الهجومية التي تمكنها من تحقيق انتصار مدوّ وحاسم. لكن النتائج المخيبة والمفاجئة لحرب صيف 2006 شكلت صدمة للمؤسستين السياسية والعسكرية. ومنذ تلك اللحظة، انطلقت ورشة غير مسبوقة لتطوير قدراتها، استناداً الى العبر التي استخلصتها. ومع ذلك، انتقد تقرير مراقب الدولة بشدة عدم جاهزية الجبهة الداخلية لمواجهة شاملة.

جيش العدو الحالي يملك جاهزية مقابل حزب الله 2006، وليس حزب الله 2016

لكن ما ينبغي التأكيد عليه أن إسرائيل كانت، ولا تزال، تملك جاهزية تامة لشن حروب واسعة وتدميرية على لبنان أو غيره. ولا حاجة في هذا المجال إلى الاستدلال على هذا التقدير بالارقام والمعطيات التي تتصل بمعادلات القوة الاقليمية.

في المقابل، فإن الجاهزية العملانية تُقاس بالقدرة على تحقيق الهدف المؤمل من أي مواجهة عسكرية. وبالتالي، عندما يتم الحديث عن عدم اكتمال الجاهزية الاسرائيلية لمواجهة حزب الله، ينبغي توضيح أي جاهزية لأي هدف (الردع؟ النصر الحاسم؟ التدمير؟ إلحاق أذى كبير بقدرات حزب الله؟…)، خصوصاً أنه في الوقت الذي ارتدعت فيه اسرائيل عن شنّ حرب شاملة ضد حزب الله ولبنان، في العقد الماضي، خاضت في الفترة نفسها ثلاث عمليات عسكرية حربية واسعة ضد قطاع غزة. واستخلصت من هذه العمليات أيضاً عبَراً وإقراراً جديداً بمحدودية قوتها.

اكتشاف إسرائيل أنها لا تملك الجاهزية التي تسمح بتحقيق انتصار حاسم على حزب الله، كان من نتائج حرب 2006. قبلها، لم يكن مجمل القادة العسكريين والسياسيين مستعدين للتسليم بأن اسرائيل لم تكن تملك جاهزية كاملة للانتصار، وإلا لما اتخذوا قرار شنّ الحرب في ذلك الحين.

وفي إطار استخلاص عِبَر حرب عام 2006، واستمرار حزب الله في تطوير قدراته الصاروخية والعسكرية، لم يعد مفهوم الجاهزية يتناول حصراً تطوير قدرات جيش العدو الهجومية، بل بات يشمل أيضاً ضرورة امتلاك جاهزية كبيرة في الجبهة الداخلية، بعدما أدخل الحزب هذه الجبهة بقوة في المعادلة. وهو ما كان له تأثيره البالغ على خيارات العدو اللاحقة.

وما كانت هذه العقيدة لتتبلور لدى صناع القرار السياسي والعسكري لولا تسليمهم بعجز جيشهم عن استئصال قدرات حزب الله في تلك الحرب التي تدك العمق الاستراتيجي الاسرائيلي. بعبارة أخرى، يبدو أن القيادة الاسرائيلية اكتشفت طوال السنوات الماضية أن الجيش، رغم ما يمتلكه من قدرات هائلة في المجالات كافة، لا يملك الحل الناجع لتهديد حزب الله على الامن القومي الاسرائيلي.

وهكذا يتضح أن الحديث الرسمي عن عدم جاهزية الجبهة الداخلية لحرب واسعة، يستتبع بالضرورة عدم امتلاك الجاهزية الاعتراضية لصواريخ حزب الله، وعدم الثقة بالقدرة على ردعه عن استهداف العمق الاسرائيلي (في أي مواجهة واسعة)، وأيضاً عدم امتلاك الجاهزية الكاملة على مستوى القدرات الهجومية لاستئصال قدراته الاستراتيجية. ولو كان العنصر الاخير متوافراً، لاستغنت إسرائيل عن الحاجة الى تطوير منظوماتها الاعتراضية ما دامت القدرات الهجومية ستزيل التهديد الصاروخي المفترض.

مع ذلك، فإن مجالات التطوير والمدى اللذين بلغهما جيش العدو خلال العقد الماضي، قد تدفع إلى القبول نسبياً بمفهوم أن جيش العدو عام 2016 يملك جاهزية فعلية في مقابل حزب الله عام 2006، وليس حزب الله عام 2016. وهكذا، فإن السبب الاساسي الذي دفع قادة العدو، والجهات المختصة، الى تكرار مقولة عدم الجاهزية لحرب شاملة هو استمرار تطوير قدرات الحزب، بالمعنى الواسع للكلمة. وبعبارة أوضح، ما يقلص من مفاعيل الجاهزية التي حققتها إسرائيل، رغم التطوير الهائل في قدراتها، يعود الى أن حزب الله استطاع أن يحقق قفزات نوعية مضادة أيضاً في مجال تطوير قدراته.

ومن الواضح حتى الآن أن هذه الحقيقة حاضرة بقوة لدى صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، وهو ما يفسر ــ حتى الآن ــ ارتداع إسرائيل عن الكثير من الخيارات العملانية إزاء لبنان والمنطقة.

على خط مواز، ينبغي تأكيد حقيقة أن عدم الجاهزية في مواجهة حزب الله، يعني عدم جاهزية لتحقيق أهداف محدَّدة. وبالتالي فإن إسرائيل تملك فائضاً من القوة التدميرية والجاهزية للكثير من السيناريوات العسكرية. ولكنها تسلّم حتى الآن بأنها لا تملك الجاهزية لحرب تهدف الى الانتصار الحاسم.

مع ذلك، فإن عدم توافر جاهزية بالمواصفات المؤمَّلة لا يعني، بالضرورة، عدم نشوب مواجهة واسعة. ويبدو من خلال مواقف قادة حزب الله وأدائه أنه يأخذ في الحسبان إمكانية أن يخطئ قادة العدو التقدير والحسابات، بما يؤدي الى أن تستدرج إسرائيل نفسها لسيناريو مواجهة واسعة لم تكن تريدها. في المقابل، فإن تسليم صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب بمحدودية فعالية فائض القوة الاسرائيلية، في مواجهة حزب الله، وفّر للبنان طوال العقد الماضي مظلة حماية وردع، وأنتج وكرّس معادلات إقليمية لها مفاعيلها السياسية والردعية.