Site icon IMLebanon

الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب بين الاستراتيجية الصهيونية ومنطق الضعف عند البعض

 

هل ستنسحب إسرائيل من جنوب لبنان في الموعد الذي تم تجديده، وهو اليوم الثامن عشر من شباط الجاري، وذلك بعد أن أخلّت بتعهداتها بالانسحاب في المرة الأولى ضمن مهلة الستين يوماً من تاريخ توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار، والتي دخلت حيز التنفيذ في السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام الماضي بعد أن اختلقت العديد من الحجج لتبرير استمرار بقائها في الأراضي التي احتلتها في عدوانها الأخير على لبنان في أيلول الماضي، مستفيدة في ذلك من دعم الولايات المتحدة، والتي تشكّل إسرائيل بالنسبة لها القاعدة الاستراتيجية لإخضاع شعوب المنطقة. وانطلاقاً من هذه النقطة بات أمن إسرائيل بالنسبة للولايات وحلفائها الغربيين هو الذي يحدّد للدول الأخرى طبيعة حدودها، ونوعية العلاقات السياسية والعسكرية بالكيان الغاصب. وهذا يمكّن للمتابع لعملية تعاطي إسرائيل مع مسألة الانسحاب من جنوب لبنان ملاحظة الأسلوب الأميركي الإسرائيلي في محاولة خلق وقائع جديدة على الساحة اللبنانية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وأمنية جديدة، تهدف إلى عودة لبنان الى السيطرة الأميركية – الإسرائيلية الكاملة سياسياً وأمنياً مرة أخرى، وذلك بعد أن فشلت المحاولة الأولى عام 1982، حيث رأينا كيف تسارعت الأحداث، وكيف تحركت قوى المقاومة من أجل إسقاط عملية التطبيع الأميركي للقرار السيادي اللبناني، وذلك من خلال اتفاقية السابع عشر من أيار.

هناك كثيرون يعتقدون اليوم إن الانسحاب لن يتم في موعده الجديد، ولا في أي وقت قريب، بحيث تأمل إسرائيل إن تعتاد عقول اللبنانيين ومشاعرهم مع الوقت على هذا الواقع، فلا يبقى هناك أي تطلّع الى المقاومة لإخراج الاحتلال مرة أخرى آملين أن تخرج يوماً ما بموجب المواثيق والعهود الدولية، وكإنما الصهاينة التزموا يوماً بعهد أو ميثاق من تلقاء نفسهم.

 

إن المراقب للأحداث في جنوب لبنان منذ العدوان الإسرائيلي الأخير، والذي تلا سلسة اغتيالات وتفجيرات طالت مجموعة من قادة المقاومة في مقدمتها السيد حسن نصرالله يستطيع أن يدرك إن العملية العسكرية الأخيرة لم يكن هدفها تأمين الحدود الشمالية لإسرائيل كما ادّعى قادة العدو. بل هي أتت في سياق مشروع سياسي لتغيير وجه المنطقة باعتراف القادة الصهاينة أنفسهم، وكان واضحاً منذ البداية إن الخطة تم اعدادها بعناية تامة. اعتمدت فيها إسرائيل على منطق الصدمة، وذلك من اختيار نوعية القادة الذين تم استهدافهم، بحيث أعتقد الكثيرون في الأيام الأولى للمعركة إن الحلم انهار، وان كابوس الاحتلال عائد لا محالة. وبرزت أصوات تدعو لتقديم تنازلات كبيرة معتبرة إن الكثير من الأمور تبدّلت، وان أوراق اللعبة باتت بيد أميركا وإسرائيل وحدهما.

 

وهنا برز منطقين متقابلين: المنطق الأول، والذي ظهر منذ اليوم انه على استعداد لابتلاع الهزيمة والتسليم بالأمر بالواقع، محاولاً تغطية تخاذله بصفات الحكمة والواقعية معتبراً إن إسرائيل في عمليات الاغتيال التي قامت بها، من خلال استعمال التكنولوجيا المتقدمة أثبتت بانها قوة لا تقهر، وانه خير لنا أن نقدّم لها التنازلات بدل الدخول معها في مجابهات خاسرة. أما المنطق الآخر فهو كان منطق الثبات على الحق، وعدم التراجع عنه تحت أي ظرف من الظروف، والذي انطلق في مجابهته، من ان المقاومة التي بدأت بامكانات محدودة عام 1982، وتطورت مع الوقت حتى استطاعت إخراج إسرائيل لبنان عام 2000 لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم، وقد جاءت تطورات المعركة لتثبت إن أصحاب هذه النظرية كانوا على حق، وذلك من خلال نجاحهم في إفشال الأهداف الإسرائيلية المعلنة للحرب، وهي فرض عودة المستوطنين إلى الشمال الفلسطيني المحتل، وتدمير القوة الصاروخية للمقاومة، ووصول جيش الاحتلال إلى نهر الليطاني.

ان إسرائيل في تعاملها اليوم مع مسألة الانسحاب من جنوب لبنان إنما تنتهج مخططا واضح الأهداف والمعالم ، وهو محاولة ضم الأراضي التي تحاول البقاء فيها إلى دولة إسرائيل مستقبلاً. وهي في سبيل تحقيق هذا الهدف تعمل على هدم المنازل، ومنع السكان مع العودة إلى قراهم، وتخريب المنشآت الحيوية والبنى التحتية، وذلك لإفساح المجال أمام حركة استيطان جديدة في جنوب لبنان، والتي ستعمل على بناء الأحياء اليهودية الجديدة على أنقاض منازل السكان الأصليين.

* كاتب وصحافي

Exit mobile version