IMLebanon

رسالة خلف الحبتور إلى فخامة الرئيس جوزاف عون

 

 

سمحت لنفسي أن أتبنّى رسالة السيّد خلف الحبتور الى فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إنطلاقاً من أنّ موضوع الاستثمار في لبنان هو عماد الاقتصاد اللبناني، خصوصاً أنّه بالعودة الى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نرى أنّ الذي رفع الاقتصاد اللبناني وصنع من لبنان أهم بلد عربي هو الاستثمار العربي في لبنان.

لذلك، وحرصاً مني على وطني، أتمنّى من فخامة الرئيس الاهتمام بهذا الموضوع، لأنّه يعتبر عماد الاستثمار في لبنان.

 

حين يصبح الرحيل واجباً: شهادة مستثمر أحبّ لبنان حتى النهاية

بقلم خلف بن أحمد الحبتور

لم أتخيّل يوماً أن أكتب هذا المقال. ولم أظن أنني سأصل إلى لحظة أقول فيها: الوداع الأخير يا لبنان. ليس لأنني لم أعد أحب هذا البلد، بل لأنني أحببته أكثر مما يحتمل الفشل، وأكثر مما يسمح به الإنكار، وأكثر مما تقبله دولة ترفض أن ترى أسباب انهيارها.

لبنان لم يكن يوماً بالنسبة لي استثماراً عادياً. كان علاقة، والتزاماً، وخياراً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً اقتصادياً. بقيت فيه حين خرج كثيرون، وفتحت فنادقي وأطلقت استثماراتي في زمن الحرب، وأبقيتها تعمل في أصعب الظروف، لا لأن الحسابات كانت رابحة، بل لأنني كنت أؤمن أن الإنسان لا يُترك، وأن الموظف لا يُضحّى به، وأن الكرامة لا تُقفل أبوابها مع أول أزمة. ولم تقتصر استثماراتي في لبنان على القطاع الفندقي وحده، رغم أنه كان الأكبر، بل شملت قطاعات وأنشطة أخرى، انطلاقاً من إيماني بدور الاستثمار المتكامل في دعم الاقتصاد والناس معاً.

خلال سنوات طويلة، استثمرت في لبنان أكثر من مليار وسبعمئة مليون دولار من مالي الخاص. لم آخذ قرضاً واحداً من أي مصرف لبناني، ولم أستعن يوماً بالنظام المصرفي، ولم أحمّل الدولة ديناً، ولم أشارك في هندسات مالية، بل اخترت أن أستثمر أموالي الخاصة، لأنني أردت أن أبني، لا أن أستدين، ولأنني كنت أؤمن بلبنان أكثر مما كان لبنان يؤمن بنفسه.

لذلك، من المثير للسخرية أن تُروَّج اليوم ادعاءات تزعم أنني استفدت من الانهيار المالي أو من أزمة المصارف، أو أنني سدّدت قروضاً على سعر 1500 ليرة. الحقيقة أنني لم آخذ يوماً قرضاً واحداً من أي بنك لبناني، ولم أستفد من النظام المصرفي، وكل ما استثمرته كان من مالي الخاص، وكل ما خسرته، خسرته وحدي.

لكن ما جرى لاحقاً لم يكن أزمة مالية فقط، بل كان انهياراً للدولة. انهيار القانون، وانهيار المؤسسات، وانهيار الحد الأدنى من المسؤولية. تحوّل البلد إلى ساحة مفتوحة: بلا حماية للمستثمر، بلا كرامة للإنسان، وبلا أي معيار للمحاسبة. أصبح الافتراء بديلاً عن الحقيقة، والتشهير أداة، وعدم الاكتراث والصمت الرسمي سياسة.

وصلنا إلى مرحلة بات فيها أي شخص يحاول الاستمرار، أو المساعدة، أو حتى الدفاع عن نفسه، هدفاً لحملات منظّمة من الإساءة والتشويه، بلا دليل، وبلا رادع، وبلا أي تدخل من الدولة. عندها، لم يعد السؤال: هل نخسر مالاً؟ بل أصبح: هل نقبل أن نكون شركاء في هذا الانهيار؟

قرار وقف أعمالنا وإقفال فنادقنا وتسريح الموظفين لم يكن قراراً إدارياً بارداً، ولا خطوة متسرعة، بل كان أقسى قرار اتخذته في مسيرتي. لكن إبقاء المؤسسات مفتوحة في دولة لا تحمي، ولا تحاسب المسيء، ولا تطبّق القانون، لم يعد بطولة، بل مقامرة بكرامة الناس ومستقبلهم.

وفي هذا السياق، لم يكن اللجوء إلى القضاء المحلّي والدولي خياراً تصعيدياً، ولا رغبة في المواجهة، بل الملاذ الأخير في دولة يُفترض أن يكون القضاء فيها الحكم الأخير. بعد سنوات من الصبر، ومحاولات المعالجة والتسوية الودية، والمراسلات، والمطالبات العلنية والهادئة، لم يعد مقبولاً أن تُترك الحقوق بلا حماية، ولا أن يُقابل التعدّي بالصمت، ولا أن تتحول الافتراءات إلى أمر واقع.

المطالبات القضائية جاءت نتيجة تراكم طويل من المخالفات، والتشهير، والإساءة، والتعدي على السمعة والمؤسسات، في ظل غياب أي تحرك رسمي يضع حداً لهذا الانفلات والتمادي. وعندما تغيب الدولة، يصبح القضاء الطريق الوحيد المتبقي للدفاع عن الحق والكرامة. اللجوء إلى التقاضي الدولي ليس هروباً من لبنان، بل محاولة أخيرة للتمسك بما تبقى من فكرة الدولة، ورسالة واضحة بأن من يطالب بحقه لا يمكن أن يُدان.

من هنا، فإن كل حديث رسمي اليوم عن “عودة المستثمرين”، أو “مؤتمرات استثمار”، أو “فرص واعدة”، هو حديث منفصل تماماً عن الواقع وتضليلي. ليس هناك من مستثمر يعود إلى بلد لا يحمي نفسه، ولا رأس مال يدخل دولة لا تطبق ولا تحترم القانون. ولا اقتصاد يُبنى فوق أوهام وفوضى.

المشكلة ليست في الشعب اللبناني الذي أُحب وأحترم. المشكلة في المنظومات السياسية المتتابعة التي استهلكت البلد، ثم بدأت تهاجم من بقي فيه، وتشكّك في نواياه، وتحرّض عليه، بدل أن تسأل نفسها: لماذا غادر؟ وأقول هذا وأنا أعلم أن لي في لبنان أصدقاء كُثراً أعتبرهم أهلًا وأحبّاء، ربطتني بهم علاقات إنسانية عميقة لا تُقاس بالاستثمار ولا تُمحى بالقرارات.

أنا لم أخرج من لبنان سعيداً، ولا لأنني لم أحتمل الخسارة. خرجت لأنني لم أعد أقبل أن أكون شاهداً صامتاً على انهيار دولة، ولا شريكاً غير مباشر في نظام يرفض الإصلاح ويعاقب من يقول الحقيقة. ورغم هذا القرار القاسي، لم يكن موقفي من لبنان يوماً موقف تخلٍّ عن شعبه. فقد وقفت مع لبنان في أصعب محطاته، وقدّمت الدعم والمساعدة، وآثرت البقاء حين كان الرحيل أسهل، إيماناً مني بأن الوقوف إلى جانب الناس واجب أخلاقي لا يُقاس بالظروف ولا بالحسابات.

هذا المقال ليس إعلان خصومة مع لبنان، بل شهادة حب ووفاء أخيرة. شهادة تقول: حاولت، وصبرت، وبقيت، لكن الدولة لم تتمسك بهذا الحبَ وهذا الوفاء. الوداع الأخير يا لبنان ليس قراراً عاطفياً، بل خلاصة تجربة طويلة. والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لبنان لا يفشل لأنه بلا مال، بل لأنه بلا دولة، وبلا محاسبة، وبلا إرادة حقيقية للخروج من هذا الانحدار.

وأقولها اليوم من موقع من أحب هذا البلد بعمق: الدول لا تنهض بالخطابات ولا بالشعارات، ولا تعود إليها الاستثمارات بالتصريحات العبثية، بل بالثقة، والثقة تُبنى بالقانون، أو لا تُبنى أبداً.