سعت طهران إلى جعل التشييع مناسبة لشدّ العصب بتعبئة شعبية لا سابق لها
في التاسع من تموز، تختتم سلطات الجمهورية الإسلامية أسبوعًا خُصّص لتشييع مرشد الثورة الإسلامية، بعد مرور 131 يومًا على قصف مقرّه المحصّن، ما أدّى إلى وفاته ومعه عدد من قيادات إيران السياسية والأمنية والعسكرية. سعت طهران إلى جعل التشييع مناسبة لشدّ العصب بتعبئة شعبية لا سابق لها، بحيث لا ينحصر التشييع في إيران، بل يمتدّ، للمرة الأولى، ليشمل النجف، المقرّ الفقهي الرئيسي للمذهب الشيعي الاثني عشري، وكربلاء، الرمز الشيعي الأول، على أن يُختتم بالدفن في جوار الإمام الرضا بمدينة مشهد في 9 تموز.
لمَ هذا الغلو في مراسم دفن فاقت بأشواط كل ما سبقها، بما فيه تشييع آية الله روح الله الخميني، واضع أسس “ولاية الفقيه” ومُطلقها، ومُسقط النظام الملكي، ومعلن الجمهورية الإسلامية التي ترأّسها طوال ما كاد يكون عقدها الأول؟ لا يمكن تبرير هذا التباين غير المنطقي ما لم نأخذ في الاعتبار حاجة طهران، وإن شئنا الدقة، “الحرس الثوري”، إلى شدّ العصب ورفع معنويات شعب شهد خلال 60 يومًا انهيار ما بناه طوال ما يقرب من نصف قرن: انهيار اقتصادي شامل، وعمليات عسكرية جرى خلالها إغراق الأسطول وتدمير معظم الصواريخ والبنية النووية واستئصال القيادات العليا، إلى جانب تقلّص امتداداته الإقليمية عبر انهيار النظام الأسدي في سوريا، والهزائم المتلاحقة والخسائر البشرية لـ”حزب الله” في لبنان.
ما أضاف إلى الإهانة أن الرئيس ترامب، وهو من لم يُعرف بتهذيب اصطلاحاته، لم يدع المناسبة تمرّ من دون تعليق. خلال كلمته في 4 تموز، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة، ذكر مكرمةً صدرت عنه: أعطى إيران “إجازة أسبوع” لدفن مرشد ثورتها.
استوقف من راقب الحدث سمات عدة: هناك، أولا، الحشود الشعبية التي قُدّرت بما يفوق عشرة ملايين، مبديةً لوعة فراق من قادها لعقود، ومُقسِمةً على الثأر لمقتله بقتل ترامب ونتنياهو. هذه الحشود تثبت تعلّق الإيرانيين بالنظام، على عكس ما أشاع أعداؤه من انهيار شعبيته. لكن ثمة من له رأي مخالف، وإن أقرّ بحجم الحشود. فدلالة حشد مواطنين في مجتمع ديمقراطي قائم على حرية التعبير وحكم القانون، تختلف كليًا عن حشد أعداد في نظام بوليسي يرصد تصرفات رعاياه، ويعاقب كل خروج على إرشادات السلطة، في غياب حكم القانون الذي يحمي ويحاسب. فلجمع من السويديين في ستوكهولم دلالة تختلف عن حشد عراقيين في بغداد زمن صدام حسين. تحضرني في هذا المقام دراسة أجراها هارولد رود، عالم اجتماع متخصص بإيران، ذكر فيها أن صور الشاه والشاهبانو كانت تتصدّر قاعة استقبال أحد معارفه في طهران، الذي لم يغادر إيران بعد سقوط نظام الشاه. وفي زيارته صديقه بعد سنوات، شاهد صور مراجع دينية بدلا من الشاه في الصالون. وبعد تردّد، وخشية إحراجه، سأله عن هذا التبدّل. لم يحرَج الصديق، بل ابتسم وقال: “كنا نحتفظ بهذه الصور في مكان أمين، وهو المكان نفسه الذي نضع فيه الآن صور الشاه”.
المشهد الآخر: الوفود
استقبلت طهران وفود دول عدة رفعت من أهمية التشييع. لكن التدقيق ينتهي إلى استخلاص مخالف. فالدول الأوروبية لم تشارك في التشييع، وكذلك أميركا الجنوبية وأفريقيا. أما الصين فتمثّلت بدبلوماسي متوسط المستوى، وأما روسيا فقد أرسلت وفدًا على رأسه مدفيديف، فيما حضور بوتين أو وزير الخارجية لكان أكبر دلالة. لكن حدثًا لا سابق له أثار كل الاهتمام، تمثّل في الاستعانة بآيات قرآنية تتبدّل بتبدّل الوفود.
كان يُستقبل كل وفد، ويتقدّمه مستقبِلوه إلى قاعة الاحتفال. وعند دخول القاعة، كانت تُتلى آية تتبدّل بتبدّل الوفد، اختيرت بعناية للإشادة بموقف دولة الوفد أو للانتقاص منه.
خصص “الحرس الثوري” للوفد السعودي: “وقد كان لكم آية من فئتين فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة”. آية استقبال وفد حماس كانت: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله به، وما بدلوا تبديلا”. أما “حزب الله” فتلي لاستقبالهم: “من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فحزب الله هم الغالبون”. استقبال وفد الحكومة اللبنانية كان بالآية: “ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم”.
مما يلفت النظر غياب كلي للنسوة في التشييع، باستثناء الوفد اللبناني. صحيح أن السيدات التزمن جميعًا بقواعد اللباس الشرعي، إلا أن كشف الوجه لم يقتصر على العينين، بل تعدّاهما ليبلغ الذقن. من الممكن أن يعود وجود النسوة والإفراط في السفور إلى عدم الاستئصال التام للحقبة التي سبقت سطوة “حزب الله” على لبنان.
لا يكتمل السرد ما لم نُثرْ ما جال في كل ذهن: لماذا لم يظهر المرشد ويتلُ الصلاة في تشييع والده وزوجته وطفلته؟ الجواب الرسمي الذي لم يقنع الكثيرين يبقى: الحرص على حماية الثورة.
+++++
هل مجتبى خائمني حيّ؟
