Site icon IMLebanon

مجتمع يشيخ واقتصاد منهار يفقد القوة العاملة: أيّ قانون عمل نريد؟

    

 

يميل لبنان إلى التراجع عن التقديمات الممنوحة للعمال في قانون العمل بسبب انخراطه في التوجهات النيوليبرالية التي أشاعت فكرة أن الدولة ليست مسوؤلة عن التشغيل وأن العمل مسؤولية الأفراد لا الدولة. هكذا بدأ ميزان قانون العمل يميل أكثر لمصالح أصحاب العمل أكثر مما هو عليه، وبدأت تتوسع العلاقات غير النظامية بين العمال وأصحاب العمل. وهذا القانون، الآن، عرضة لمزيد من الاختلال في ظل التغيّرات الكبرى المحلية والإقليمية، إذ إن المجتمع اللبناني يشيخ وينخفض عدد الذين في سنّ العمل باطّراد. هذه أبرز خلاصة قدّمها المستشار الإقليمي للأنشطة العمالية في منظمة العمل الدولية مصطفى سعيد في الجلسة الحوارية التي عقدها المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين أمس حول قانون العمل في لبنان.عرض المرصد ورقة بحثية ورد فيها أن قانون العمل المقرّ عام 1946 شكّل انتصاراً للعمّال والنقابات رغم الشوائب والنواقص التي تعتريه. لنحو 78 سنة، لم يُدخل إلى هذا القانون إلا 15 تعديلاً، وفي النتيجة لا يزال ينطوي على ظلم لشرائح عمالية وازنة ويحرمها من تغطيته، مثل العمال في القطاع الزراعي، والعمالة المنزلية، والمياومين في المؤسّسات والإدارات العامة. لكن تفاقم هذه العيوب مرتبط بأربعة تحديات أساسية تهدّد المجتمع اللبناني، كما عرضها مستشار منظمة العمل الدولية مصطفى سعيد:

– أولاً، التغيّر الديموغرافي. فالمجتمع اللبناني في حالة شيخوخة، مشيراً إلى أن «الوجود السوري أنقذ الاقتصاد من فقدان القوة العاملة بسبب التقدم في العمر والانقراض الناتج من كون الوظيفة الأساسية للمجتمع هي تصدير الشباب. فالنموذج التنموي اللبناني قائم على إرسالهم إلى الخارج لاستقدام الدولارات. وهذا ما سيؤدي إلى تضاعف عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً بين عامَي 2020 و2050 من نحو 765 ألفاً، أي 11.2% من السكان، إلى 1.7 مليون، أي 27.1% من اللبنانيين. وخلال هذه الفترة، يتوقع أيضاً انخفاض عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بنحو الثلث.

– ثانياً، التوسّع النيوليبرالي وتوسّع العلاقات غير النظامية في سوق العمل. اللانظامية في لبنان ليست جديدة على القطاعين الخاص والعام، إذ إن أشكال التعاقد بالفاتورة والساعة موجودة ومعروفة، والمحامون يلجأون إلى قانون الموجبات والعقود، لا إلى قانون العمل، لإيجاد الحلول. بمعنى أوضح، إن معظم علاقات العمل هي خارج الإطار القانوني، واللانظامية منتشرة وتزداد وتترافق مع تفكك الدولة لتزيد الأمر سوءاً.

– ثالثاً، التغيّر المناخي القادم ستكون له انعكاسات خطيرة على مستوى الزراعة والاقتصاد.

– رابعاً، هناك العامل التكنولوجي الذي يثير مسألة منافسة الذكاء الصناعي للقوة العاملة، رغم وجود نقاط قوة على المستوى اللبناني، إلا أنّها مهدورة.

رغم أن قانون العمل ينصّ على مجموعة من الحمايات والحقوق للعاملين، إلا أنه في الفترة الأخيرة، يجري التراجع عنها بـ«الجملة». مثلاً الدستور اللبناني لا ينصّ على الحق بالعمل. فمع انتشار التوجهات النيوليبرالية، شاعت فكرة مفادها أنّ «الدولة ليست مسؤولة عن التشغيل، والعمل مسؤولية الأفراد لا الدولة». في هذا السياق، يرى سعيد أن إنشاء المؤسّسة الوطنية للاستخدام جاء على شكل «ديكور»، إذ لم توكل إليها وظيفة عضوية حقيقية، ولم تستخدم المؤسسة لا من العمال ولا من أصحاب العمل بسبب انعدام سياسة التشغيل من ذهن الدولة. منظمة العمل الدولية استثمرت في المؤسسة الوطنية للاستخدام على مدى 10 سنوات وحسّنت أنظمة العمل ومكننتها، إلا أنه في المقابل لم يصل إلى المنظومة سوى 3 طلبات عمل.

معظم علاقات العمل خارج الإطار القانوني، واللانظامية تزداد وتترافق مع تفكّك الدولة

 

إذاً، أيّ قانون عمل نريد بعد الانهيار؟ يرى سعيد أن هذا الأمر معقّد للغاية في لبنان بسبب عدم التفاهم بين العمال وأصحاب العمل، واستقالة الدولة من مهامها. فهذا يعني غياب سياسات التعافي الاقتصادي، وانعدام الرؤية تجاه المستقبل. وبالتالي، أيّ تعديل يطرح على قانون العمل اللبناني لن يكون سوى إنجاز يباع للمنظمات الأممية. ويستند سعيد إلى محاولة سابقة للتعديل تتضمن تغطية قانون العمل للعاملين في القطاع الزراعي، إذ غاب عن النقاشات ممثلو المزارعين ولم يبدِ أصحاب العمل ممثلَين بالصناعيين أيّ اهتمام بالزراعة، وبدا أن غرفة الزراعة لا يعنيها سوى العمال الأجانب، وقد ردّد أعضاؤها «ليش وجع الراس؟». حتى ممثلو العمال أظهروا تلكؤاً في الدفع نحو التعديل، ولم يدفع سوى موظفي وزارة العمل نحو تبني التعديلات.

عملياً، لا يزال التحالف قائماً بين رأس المال المالي والتجاري، وبين الطوائف الأساسية والسياسيين. وهؤلاء متفائلون بالعودة إلى ما كان عليه الوضع عام 2019، بالإضافة إلى تمنيات بوضع أملاك الدولة في صندوق بإدارتهم لتعويض الخسائر على الناس. ورغم أن هناك تفاهماً يتمحور حول «الأجر العادل المساوي للحد الأدنى للأجور»، إلا أنه «لا يجوز أن يكون هناك 70 حداً أدنى للأجور على أساس لون البشرة والجنسية. فالدولة اللبنانية توقّع اتفاقيات مع الدول التي تستقدم منها العمال الأجانب بطرق غير عادلة. مع إثيوبيا تقضي الاتفاقية بدفع أجر يساوي 200 دولار شهرياً، فيما الدولة الفيليبينية تطلب 400 دولار شهرياً لعمالها» يقول سعيد.

أمام هذا المشهد، لا ينصح سعيد بوضع أنظمة خاصة للعاملين في لبنان تبعاً لأعمالهم، فلو تمّ ذلك لأصبح النظام الخاص هو المعيار وقانون العمل هو الاستثناء، وسيفقد القانون سمته كمعيار وطني للحدّ الأدنى للأجور.

 

لبنان أفضل من أميركا

لا يعدّ لبنان عضواً فاعلاً في منظمة العمل الدولية على مستوى الالتزام بمعايير العمل الدولية التي تعتبر الحدّ الأدنى المتوافق عليه دولياً. «فمن أصل 191 اتفاقية، و6 بروتوكولات، و208 توصيات، وقّع لبنان 51 اتفاقية فقط» بحسب المستشار في منظمة العمل الدولية مصطفى سعيد، «لكن يبقى لبنان أفضل من الولايات المتحدة التي وقّعت 30 اتفاقية فقط».

 

العمالة قبل الأزمة وبعدها

ساهمت أزمة عام 2019 وما تبعها، في إنتاج 330 ألف عاطل جديد من العمل، بحسب إحصاءات القوى العاملة الصادرة عن الإحصاء المركزي في لبنان في عام 2022. واليوم، هناك تقديرات بأن عدد العاطلين من العمل لا يقلّ عن 531 ألف شخص، أي ما يوازي 29% من القوى العاملة، وهذه النسبة تتركّز في محافظة بعلبك الهرمل بنحو 40.7%. وأظهرت دراسة أخرى متخصّصة بأوضاع المسنّين في لبنان أنّ 41% من كبار السنّ الذين تتراوح أعمارهم بين 65 و69 سنة، و29% ممن يزيد عمرهم على 70 سنة، لا يزالون يعملون. وتبلغ نسبة العاملين في الاقتصاد غير المنظّم 77.8%، وهؤلاء يعملون من دون أيّ حماية قانونية أو اجتماعية أو تقديمات مثل الإجازات أو الضمان الصحي. وبسبب الطلب على هذا النوع من العمالة الرخيصة وغير المحميّة، بلغ عدد العاملات المنزليات الموجودات بطريقة غير شرعية 120 ألفاً، علماً أن لبنان كان يستضيف قبل الانهيار أكثر من 400 ألف عامل وعاملة من أصول غير عربية بموجب نظام الكفالة.