لم يتوانَ وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عن وصف العاصمة اللبنانية بالطاعون، وجاءت هذه التسمية بعد سيل من الممارسات العدائية التي استهدفت الأميركيين والمصالح الأميركية فيها، من تفجير مقر قيادة المارينز إلى خطف الرهائن الغربيين إلى خطف طائرة الـTWA، ومنذ تلك الحادثة اتخذت السلطات الأميركية قرارًا بوقف الرحلات بين مطار بيروت والمطارات الأميركية. كان هناك خيط واحد يربط بين هذه الحوادث، وهو “حزب الله” تحت مسمَّى “الجهاد الإسلامي”، وكان الشخص الذي يجمع بين أن يكون “العقل المدبِّر” و”الأداة التنفيذية” لهذه العمليات هو عماد مغنية.
أربعون عامًا مرَّت على “بيروت الطاعون”، كانت العاصمة اللبنانية، في شقِّها الغربي، مرتعًا للإرهاب وخطف الرهائن والطائرات، يئس منها الأميركيون فوصفها رئيس الدبلوماسية الأميركية بكلام غير ديبلوماسي وهو “الطاعون”.
بعد أقل من نصف قرن بقليل، تبدَّل المشهد:
عماد مغنية لم يعد موجودًا.
خطف الرهائن توقف بعدما كان “الجهاد الإسلامي” وهو الإسم الحركي لـ”حزب الله”، يرسلهم إلى مبنى الخارجية السورية ليتم إطلاقهم هناك، فيكون الخطف في بيروت وتحريرهم في دمشق، وهكذا تسوَّد صفحة بيروت وتبيَّض صفحة دمشق. وكانت عملية الإطلاق تتم في مبنى الخارجية السورية تحت صورة الرئيس حافظ الاسد.
بعد أربعين عامًا تبدَّل التوصيف، فصار: “لبنان بلد الذكاء العظيم”، كما وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثناء لقائه الرئيس جوزاف عون.
تغيَّرت الدنيا، فهل يتغيَّر “حزب الله”؟
من خلال المعطيات والوقائع يبدو أن “الحزب” يحن إلى العودة إلى زمن غابر، إلى مرحلة التفجير وخطف الرهائن و”تهشيل” الدبلوماسيين والبعثات الأجنبية وحتى العربية، لتُفتَح أمامه طريق مخططاته مجددًا، وللدلالة على هذه “النوستالجيا” إلى زمن مضى، ما قاله القيادي في “حزب الله” محمود قماطي عن مطار بيروت، وكأنه بهذا التهديد يريد أن يعيد بيروت إلى زمن “الطاعون”، لكن فاته، ومن ورائه “حزب الله”، أن التاريخ لا يعود إلى الوراء مع تبدل كل المعطيات التي تتيح له ذلك.
