لا أميركا، ولا إيران…
لا إسرائيل، ولا عزرائيل…
إنّه لبنان… لبنان الذي قيل فيه: «إنْ لم يكن قِمَّةً في الجغرافيا فهو قمَّةٌ في التاريخ…».
كيف نرضى: بأنْ نخلع عنّا ثوب هذا الوطن التاريخي حتى التعرّي؟
كيف نرضى: بأن يتفاوض باسمنا الآخرون وعلى ثيابنا يقترعون؟
كيف نرضى: بمفاوضات بين لبنان وإسرائيل على أساس: خطوة مقابل خطوة؟ وهناك مفاوضات الخطوة مقابل خطوة بين: الحكم اللبناني وحزب الله اللبناني؟
تنظر إلينا الأمم، وكأنّنا دولتان من قبائل الهنود الحمر…
دولة الثنائي الشيعي: حزب الله وأمل: ودولة الثنائي الشرعي: جوزاف عون ونواف سلام، والرئيس نبيه بري يؤمّن المفاوضات غير المباشرة بين الدولتَين.
أحد نواب حزب الله: «يطالب رئيس الجمهورية بأن يعود إلى الوطن…» ورئيس الجمهورية وأحزاب: الله والوطن والعائلة يطالبون حزب الله بأن يعود إلى لبنان.
هكذا، كأنّنا كلّنا غرباء في لبنان، ونازحون عن لبنان، ولبنانُ جزيرةٌ في محيط لم يكتشِفْها بعدُ «كولومبس».
الدولة قرّرت حصر السلاح بالدولة…
والمقاومة قرّرت حصر السلاح بالمقاومة…
ولأنّ المواجهة بين الجيش والمقاومة من المحرّمات، فلا يبقى إلّا:
إمَّا أن يسلّم حزب الله سلاحَهُ للدولة…
وإمَّا أن تسلّم الدولة سلاحها لحزب الله.
أنا، لا أريد أن أعلّق على المفاوضات الأولى والمفاوضات الثانية بما هو صالح فيهما أو سيء، ليس لأنني لا أعلّق أملاً على بنودهما…
وليس لأنّ تسليم سلاح حزب الله يقاَبلُ بالرفض، حتى ولو أدّى إلى انسحاب إسرائيل من الأرض…
وليس لأنّ لا خيار إلّا بالمقاومة… وخيار المقاومة يُبطل خيار المفاوضات.
بلْ، لأنّ هناك ما يقلقني أكثر، وبما هو أخطر من لبنان المحتلّ…
هو لبنان الذي استشرى به الإنشقاق حتى التصادم، من حدود جدران المعابد والمساجد إلى ما بعد بعد جدران الحدود.
ويبدو من خلال المشهد المحموم، أنّ هناك مشكلة لبنانية تُكرِّرُ نفسها في كل حرب، وهي: مشكلةٌ تُختصَرُ بلوحتَين على طريق المطار:
لوحة كُتب عليها: شكراً إيران…
ولوحة كُتب عليها: لبنان أولاً.
هكذا يبدو: حال لبنان معلّقاً بين لوحتَين.
وهكذا نبدو: معلَّقين بين الثنائيات:
ثنائية الوطن البديل…
والعلَم البديل…
والنشيد البديل…
نتطلّع إلى العلم اللبناني وكأنّ عيونَنا مصابةٌ بالمياه الزرقاء…
وننسى النشيد اللبناني وكأنّ التاريخ الذي وُلِدَ فيه رشيد نخله قد تناولَ حبوب منع الحمل.
المشكلة اللبنانية المتوارثة هي مشكلة الأم الحنون للموارنة يوم كانت باريس مربط خيلهم…
وهي مشكلة الأم الحنون للسنّة يوم كانت الحرب الفلسطينية على أرض لبنان تجرّ معها لبنان بأذناب الخيل.
وهل إيران اليوم هي الأم الحنون للشيعة؟
يقول الإمام موسى الصدر: «الشيعة في لبنان ينتمون إلى لبنان، لا يوجد شيعة في لبنان ينتمون إلى العراق ولا إلى إيران، وليس عندهم دولة أخرى ينتمون إليها سياسياً واجتماعياً، والمرجع الديني عندهم أحياناً في العراق وأحياناً في إيران، كما قداسة البابا في روما، وهذا لا يعني أنّ حكومة لبنان ترتبط بإيطاليا» (1).
يوم كنا أبناء الأمهات الأجنبيات بالتبنّي كان الأب عندنا مجهولاً، ولم نكن نقْتاتُ إلّا بالحليب الأجنبي المجفّف الذي يغذّي عقولنا بمادة: فرّق تسُدُ:
فتفرّقنا… وسادوا.
ولن نتوحّد ونسوُد، إلاّ تحت لوحةٍ على طريق المطار كُتبَ عليها: لبنان أولاً.
وفي كنفِ أمهاتنا الوطنيات اللواتي نشرب من صدورهنّ حليب السباع.
1 – من كتاب: حوارات صحافية للإمام الصدر: ص: 463.
