Site icon IMLebanon

الجمهورية اللبنانية واستحقاقاتها رهائن الأوضاع المحلية – الإقليمية – الدولية

 

 

ليس من السهل مراقبة مصير الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وانعكاساتها على الواقع اللبناني، وليس من السهولة بمكان ما تصديق ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط من أنّ هناك أطرافًا إقليميين حريصين كل الحرص على بعض القضايا، ومنها على سبيل المثال القضية الفلسطينية وقضية انعكاس هذا الصراع على الأرض اللبنانية. من المؤسف أنّ لعبة الأمم القائمة على عمودين محلي وإقليمي اتخذت من الجغرافيا السياسية اللبنانية مركزًا لها وتحوّلت الساحة اللبنانية بؤرة هذه اللعبة وهدفها، والتي هي في نتائجها من حيث المبدأ وَبالاً على الفلسطينيين واللبنانيين. كما هي في صلب استراتيجية إقليمية دولية من حيث المخططين والمموّلين والمنفّذين.

إنّ التركيز على واقع الجمهورية اللبنانية المُشلّعة وتزامنها مع النزاعات والمواجهات العسكرية والدبلوماسية بين الدبلوماسية العربية والدولية ضد الدبلوماسية الفارسية، يتّضح له مجموعة من الحقائق التي أضحَت ظاهرة للعيان أنّ اللعبة الدبلوماسية المثلثة الأطراف حاكَت كل فصول المؤامرة على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وفي جزئها الأعظم ضرب الحياة السياسية اللبنانية من خلال تعطيل عمل المؤسسات الشرعية، كما ضرب حل الدولتين وهو القرار المقترح للصراع العربي الإسرائيلي والذي يقوم على تراجع العرب عن مطلب تحرير كامل فلسطين وعن حل الدولة الواحدة، ويرتكز هذا الحل على أساس دولتين وهذا ما أُقِّرَ في قرار مجلس الأمن 242 بعد حرب العام 1967.

 

إنّ نتائج هذا الصراع الأممي والإقليمي على ما يبدو ضرب الجمهورية اللبنانية بكل مكوناتها وضرب القضية الفلسطينية وحيثياتها، ومن المفترض أنّ الدافع لهذه السياسة هو ضرب كل مقومات الجمهورية اللبنانية، لكن هذه السياسة على ما يبدو قَضت على كل الجمهورية حيث تُمنع من إعادة تنظيم مؤسساتها بدءًا بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وملء الفراغات فيها.

 

إنّ الواقع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط معقّد للغاية وجذوره السياسية – الأمنية – الإقتصادية – المالية ممتدّة في كل مفاصل الدول المعنية بهذا الوجود، الأميركيّون يسعون بكل ما أوتوا من فرص لمد العون الى دولة إسرائيل والإيرانيّون يسعون من خلال أجنحتهم في منطقة الشرق الأوسط إلى تأدية دور محوري تحت عنوان «تحرير فلسطين واسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني»، وتدعم كل من «حزب الله» في لبنان ومنظمة حماس في قطاع غزّة، والروس يتواجدون في قسم لا يُستهان به في الجمهورية العربية السورية، ناهيك عن وضع الأكراد الذين يَستقوون بالأميركيين ومن الواضح أنهم باعوهم في مزادات السياسات الدولية.

 

إنّ الجمهورية اللبنانية واستحقاقاتها رهائن الأوضاع المحلية الإقليمية الدولية، ومن المعلوم أنّ السياسات الدولية وجدت طريقها السليم إلى المزاد العلني في لبنان حيث تُباع القضية اللبنانية وتُشترى في أكبر المزادات العلنية في الوقت الحاضر، والمؤسف أنّ الواقع الحالي للمجتمعين العربي والدولي يؤشّر إلى أنّ هذه الدول تعرض مواقفها السياسية عن لبنان للبيع في مزاد علني سياسي فارِضةً لِمَن يدفع أو لمن يستطيع تحرير مبدأ مناقصة التزام إدارة لبنان بحزم كما جرت العادة في السابق.

في ظل غياب أيّ عامل وطني لبناني لإدارة الأزمة اللبنانية، مواقف الدول ستكون واضحة لناحية اتخاذها مواقف مسبقة وفقًا لمصالحها القومية والمبادىء الإستراتيجية وأهدافها ورؤياها وأيديولوجياتها، وإنّ عامل المصالح قد تفوّق على مصلحة لبنان ومؤسساته الرسمية الشرعية المدنية والعسكرية، وبالتالي على ما يبدو قد اتخذ القرار السياسي الذي يؤيّد ضرب كل مؤسسات الجمهورية اللبنانية، فالفراغ حصل في كل مؤسسات الجمهورية بدءًا من رئاسة الجمهورية إلى كل المراكز فيها وصولاً إلى ضرب معنويات القوى العسكرية الشرعية مقابل تَنامي ميليشيا تُصادر كل مراكز الدولة الرسمية وتحصر القرار الإستراتيجي – القومي بمصالحها رغمًا عن أنف المسؤولين.

 

الجمهورية اللبنانية باتت في طريق الزوال، وعلى ما يبدو إنّ الواقع بات ملموسًا وواضحًا للعيان، والجمهورية تترنّح بين التفكّك والسيطرة المُطبقة عليها من قبل نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونصيرها اللبناني، ومن شأنْ هذا الواقع أن يزيد من تفككها واستمرار كامل السيطرة على كل مفاصلها. إنّ المال السياسي الذي اعتادته بعض الدول لشراء الذمم والضمائر في لبنان أغرى ضعاف النفوس وسماسرة السياسة المتاجرين بقضية الجمهورية لمحاصرة قوى النخبة المستقلّة. ويبدو أنها نجحت في هذا الأمر كما تَشي الوقائع الحالية.

بات واضحًا أنّ ساسة لبنان زمنيين وروحيين قد أصيبوا بجنون العظمة وتاهت بوصلتهم تمامًا عن الواقع المرير للجمهورية. إنها حالات من التيه والضياع والتآمر لم تشهدها الساحة اللبنانية منذ تأسيس الكيان اللبناني القائم على صيغة العيش المشترك. جميعهم يُقامرون بتاريخ وحاضر ومستقبل الشعب اللبناني والجمهورية اللبنانية، وهكذا تستمّر المزايدات وتستمِر التبريرات من قبل العلمانيين ورجال الدين.

 

إنّ أخطر ما في هذا الواقع الأليم المرهون بالأوضاع الإقليمية الدولية المحلية أن هناك ساسة لا يُعيرون للجمهورية أية أهمية، ولا يعملون لإعادة بناء صفوفهم لتضميد الجراح بل ينكؤنها، ولا يُحكمِّون العقل وإحياء ضمائرهم واستعادة وطنيتهم وتوحيد الجهود للدفاع عن الجمهورية اللبنانية ومؤسساتها. ولأن الوقائع تؤشّر إلى خطورة كبيرة فإنّ الجمهورية اللبنانية واستحقاقاتها ستبقى رهائن الأوضاع المحلية – الإقليمية – الدولية، ولا بحث خارج هذا السياق طالما هناك ساسة على هذا المستوى يُديرون زمام الأمور.