Site icon IMLebanon

الحوار يطول… والحلّ على قرع الطبول

 

تَتبَّع اللبنانيون التحضيرات اللوجستية والتعزيزات العسكرية للحوار الوطني المقرّر اليوم، كمن يتهيّأ لمشاهدة فيلم هوليوودي مشَوّق، خصوصاً بعد الإجراءات المشدّدة التي اتّخَذتها الأجهزة الأمنية في محيط ساحة النجمة حيث ستنعقد الطاولة الحوارية.

هذه الإجراءات الأمنية المشدّدة قد لا تكون بجديدة، إنّما الجديد فيها أنّها تواكِب انعقاد طاولة الحوار في مقرّ المجلس النيابي. واحترازاً إزاءَ التحرّكات الشعبية المؤكّدة، رُفِعت الأسلاك الشائكة والبوّابات الحديد عند المداخل المؤدّية إلى ساحة النجمة، فيما وُزّعت على الإعلاميين والمصوّرين الذين سيشاركون في تغطية الجلسات الحوارية بطاقات خاصة تتيح لهم الدخول إلى مقرّ المجلس النيابي لهذه الغاية، وخُصّصت لهم قاعة المكتبة المقابلة لمبنى المجلس لمتابعة وقائع الحوار من بُعد.

وسينطلق الحوار اليوم في غياب كتلة حزب «القوات اللبنانية» بعد رفض رئيس الحزب سمير جعجع المشاركة فيه للأسباب التي أعلنَها واختصرَها بأولوية انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فيما ستَحضر سائر الكتَل النيابية المسيحية معلِنةً أنّ بَند الرئاسة بالذات سيكون مطلبَها الأساسي.

ووصَفت مصادر مواكبة هذا الحوار بأنّه «استثنائي وضروري في هذه المرحلة الدقيقة». وكشفَت أنّ الداعي إلى الحوار ومديرَه رئيس مجلس النواب نبيه برّي لم يكن ليدعوَ إليه في الأساس لو لم يؤمّن التغطية الإقليمية والدولية المشَجّعة له.

ولفتَت إلى أنّه لا يمكن الإسهاب إعلامياً في الحديث عن عدم جدوى الحوار والقول إنّه مشابه لحوار العام 2006، لأنّ الأخير كان حينها حواراً سياسياً بامتياز وجدولُ أعماله ذو أبعاد إقليمية ودولية، إذ إنّه تناوَل مواضيع كبرى وعلى رأسِها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والاستراتيجية الدفاعية والسلاح الفلسطيني خارج المخيّمات.

فيما يتناول حوار اليوم قضايا داخلية بَحتة، من رئاسة الجمهورية إلى قانون الانتخابات النيابية وعمل المؤسسات الدستورية من مجلس نوّاب ومجلس وزراء إلى موضوع دعم القوات المسلّحة مِن جيش وقوى أمنية، وقضايا إدارية ذات طابع إنمائي تتمثّل بموضوع اللامركزية الإدارية، وصولاً إلى موضوع إعادة الجنسية للمغتربين.

وعن الحراك الشعبي على اختلاف أهدافه وانتماءات القائمين به وما يُشاع عن أنّه سيطيح الحوار، تؤكّد المصادر نفسُها، أنّ مِن الخطأ الظنّ أنّ في إمكان المتظاهرين إحباط الحوار، لأنّ حراكهم في الشارع لا يمكنه إلغاء حراكٍ شعبيّ آخر معاكس قد توَلّده العصبيات الأحادية، إذ لا يمكن نسيان أهمّية برّي ومكانته في شارعه وعلى المستوى الوطني، فالحراك الشعبي في وسط بيروت لا يلغي ذلك الحراك الذي شهدَته النبطية أخيراً في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، وكذلك لا يلغي حراكَ التيّار الوطني الحر الأخير في ساحة الشهداء.

أمّا عن إمكانية نجاح الحوار، فتقول المصادر إيّاها إنّه إذا لم ينتِج سريعاً فإنّه على الأقلّ سيمتصّ التوتر في الشارع وعلى المستوى السياسي، ويساهم أقلّه في إشاعة أجواء تؤهّل البلد لملاقاة أيّ استحقاقات إقليمية يمكن توظيفها لمصلحته.

إلى ذلك تستبعد هذه المصادر أن يخطف الحوار دورَ مجلس الوزراء أو أيّ مؤسسة دستورية أخرى، فالمتحاورون لن يَحلّوا مكان السلطة التنفيذية المتعثّرة ولا محلّ المجلس النيابي، وأيّ قرار سيتّخذونه سيكون بمثابة توَجّه عام يُترَك أمرُ تنفيذه للمؤسسات الدستورية المختصة، فالمتحاورون هم رؤساء الكتَل في مجلس النوّاب، وهذه الكتَل ممثَّلة أيضاً في مجلس الوزراء، وأيّ اتّفاق بينهم سيكون سَهلاً تنفيذُه بقوانين في مجلس النواب أو بقرارات ومراسيم في مجلس الوزراء.

توافق لا تصويت

وذكّرَت تلك المصادر بأنّ بري بادرَ للدعوة إلى الحوار عندما استحالَ التوافق في مجلس الوزراء، مضيفةً أنّ مصادفةَ أن يكونَ عددُ المدعوّين إلى الحوار ينتمون في أكثريتهم إلى فريق 8 آذار وحلفائه، فيما ممثّلو 14 آذار أقلّ عدداً منهم، لن تؤثّر على الحوار ولن تؤدّي به إلى قرارات لمصلحة فريق دون آخر، لأنّ القرارات التي سيتّخذها المتحاورون ستكون بالتوافق لا بالتصويت. إذ يَكفي اعتراض طرَف واحد مشارك على أيّ قرار حتى يمنَع صدوره.

وفي الوقت التي تؤكّد المصادر المواكِبة للحوار أهمّية نجاحِه، فإنّها تشَدّد على ضرورة استمراره في هذه المرحلة، مؤكّدةً أنّه وإنْ لم يُنتِج سريعاً فإنّه سيستمرّ على طريقة الحوار الجاري بين تيار «المستقبل» و»حزب الله»، فالأخير يشَكّل ربطَ نزاع بين الجانبين، ولا شيء يَمنع من أن يتحوّل الحوار في ساحة النجمة هو الآخر ربط نزاع سياسي بين فريقَي 8 و14 آذار في انتظار توافرِ الظروف التي تمكِنهما من التوافق.

في المقابل ترَجّح مصادر معترضة على هذا الحوار فشَله، مشيرةً إلى أنّ قانون استعادة الجنسية للمغتربين وخلفيته يكفي وحدَه ليفجّر الخلافَ في ضوء الانطباع السائد لدى المراقبين من أنّ هذا البَند سيطول النقاش فيه نظراً للتعقيدات المذهبية والطائفية التي تعتريه، خصوصاً إذا دخلت فيه «سياسة العدّ».

توازيّاً، تؤكّد مصادر أمنية لـ«الجمهورية» أنّ انتشاراً أمنياً استثنائياً ستَشهده ساحة النجمة اليوم، والغايةُ منه الحفاظ على أمن الحوار وكذلك أمن المتظاهرين وليس ترتهيبهم، متمنّيةً على الجميع المساهمة في جعلِه يومَ حراك سِلميّ حضاري يساهم في انجاح الحوار ويجَسّد تطلّعات الشباب الحضارية السِلمية.

وفي المشهد العام تشير أوساط محايدة إلى أنّ المشهدية الأصحّ لنجاح الحوار أو عدمِه ليست متوقّفة على الطاولة المستديرة للحوار والتي تضمّ 16 شخصية سياسية جديدة ومخضرَمة بالإضافة إلى مستشاريهم، كما أنّها ليست متوقفة على استقواء فريق على آخر، وهي عَمليّاً وليس ظاهريّاً لن تتأثّر بشدّة المواقف التي يتأهّب المتحاورون لإعلانها بغية التسابق على تسجيل المواقف الوطنية أو لأسباب أخرى متشعّبة… بل لأنّ الجميع يَعلم، بمن فيهم المتحاورون، أنّ الحلّ في النهاية ينتظر اللحظة الإقليمية والدولية التي وحدَها ستُنتِجُه… وعلى قرع الطبول سيَستقبله المتحاورون … والمتظاهرون.