Site icon IMLebanon

ذاكرة مُختطَفة: من حرب الإلغاء إلى مار مخايل وما بعده

 

 

لم تولد الحالة العونية عام 2006 مع اتفاق مار مخايل، ولا عام 2016 مع الوصول إلى رئاسة الجمهورية. نشأت قبل ذلك بسنوات، وتحديدًا منذ عام 1988، يوم دخل ميشال عون قصر بعبدا على رأس حكومة انتقالية، وتحولت الرئاسة من وظيفة دستورية موقتة إلى مشروع شخصي للسلطة، بُني منذ لحظته الأولى على مخاطبة اللاوعي المسيحي لا على بناء دولة.

 

منذ ذلك التاريخ، لم يكن الخطر في الخيارات السياسية وحدها، بل في المنهج الذي اعتمد: تحويل الخوف الوجودي المسيحي إلى أداة تعبئة، وتقديم الصراع الداخلي كبديل عن السياسة، والزعيم كبديل عن المؤسسة. هكذا بدأت عملية طويلة من إعادة تشكيل الوعي الجماعي المسيحي، لا على قاعدة السيادة والمسؤولية، بل على قاعدة الغضب، والإنكار، والشعور الدائم بالاستهداف.

 

في كانون الثاني وشباط 1990، بلغت هذه العملية ذروتها مع حرب الإلغاء. قُدّم الاقتتال المسيحي الداخلي كـ “معركة خلاص”، فيما كان في الواقع أول اختبار عملي لاستخدام الجماعة ضد نفسها باسم مشروع سلطوي. لم تكن تلك الحرب خطأً ظرفيًا، بل لحظة تأسيسية في الثقافة العونية: إلغاء الشريك، تبسيط الصراع، شيطنة الآخر، وتعليق كل فشل على “خيانة” مفترضة.

 

انتهت الحرب بالهزيمة، وباحتلال قصر بعبدا ووزارة الدفاع، وبترسيخ الوصاية السورية. لكن الهزيمة العسكرية لم تُترجم مراجعة سياسية. على العكس، تحوّلت إلى مادة إنكار في الوعي، وإلى سردية مظلومية دائمة، استُثمرت لاحقًا لتبرير كل تناقض. منذ تلك اللحظة، أصبح الماضي عبئًا يجب إعادة تأويله، لا مواجهته.

 

عاد ميشال عون إلى لبنان عام 2005، لا باعتباره سياسيًا عاد من المنفى فحسب، بل حاملًا معه هذا الإرث الذهني نفسه. فجاء اتفاق مار مخايل عام 2006 تتويجًا لمسار بدأ قبل ثمانية عشر عامًا. لم يكن الاتفاق انقلابًا على مرحلة سابقة، بل إعادة إنتاج للمنهج ذاته: استثمار الخوف المسيحي، وتقديم التحالف مع قوة مسلحة خارج الدولة كـ “ضمانة”، مقابل وعد بالوصول إلى السلطة.

 

في اتفاق مار مخايل، جرى تكريس فكرة أن السيادة قابلة للتأجيل، وأن الدولة يمكن تعليقها موقتا، وأن السلاح يصبح مقبولًا إذا كان يخدم “الحقوق”. هكذا، انتقل اللاوعي المسيحي من وهم “التحرير” إلى وهم “الحماية”، فيما بقي الجوهر واحدًا: ربط مصير الجماعة بمشروع سلطوي لا بمشروع دولة.

 

بين 2006 و2016، تعمّق هذا التشويه في الوعي. تعطيل المؤسسات بات “حقًا”، الفراغ الرئاسي بات “وسيلة ضغط”، والانقسام الداخلي بات “تنوعًا صحيًا”. وعندما تحقق الهدف الأساسي، أي الوصول إلى رئاسة الجمهورية بدعم “حزب الله”، تبيّن أن ما بُني على الوهم لا ينتج إلا انهيارًا.

 

منذ 2016، دخل لبنان مرحلة الإلغاء الشامل: إلغاء الدولة، إلغاء المؤسسات، إلغاء الاقتصاد، وإلغاء الدور المسيحي نفسه. ومع كل فشل، لم تُقدّم مراجعة، بل رُفع شعار “ما خلّونا”، كاستمرار طبيعي لثقافة التنصل من المسؤولية التي تأسست منذ 1988.

 

اليوم، في عام 2026، ومع أفول المحور الذي استند إليه هذا المسار، تحاول الحالة العونية إعادة التموضع، لا عبر الاعتراف بالخطأ، بل عبر التمايز الخطابي. غير أن اللاوعي الذي شُوّه على مدى أربعة عقود لا يُرمّم بخطاب انتخابي، ولا يُمحى بإعادة صياغة الشعارات.

 

إن الضرر الحقيقي الذي أحدثته الحالة العونية لا يقتصر على السياسات أو التحالفات، بل يكمن في ضرب البوصلة الذهنية للمسيحيين اللبنانيين: تحويل الدولة إلى خصم، والمؤسسة إلى عبء، والتناقض إلى فضيلة، والنسيان إلى شرط للبقاء.

 

لذلك، فإن استعادة هذا المسار من 1988 إلى 2026 ليست نبشًا في الماضي، بل محاولة إنقاذ للوعي. لأن الجماعات لا تنهار فقط عندما تخسر مواقعها، بل عندما تُقنع بأن الخديعة كانت خيارًا، وأن الفشل كان قدرًا، وأن المحاسبة ترف لا ضرورة.

 

وهنا، بالتحديد، يبدأ الخروج من الحالة العونية.

Exit mobile version