كريستينا غولدباوم وهويدا سعد- نيويورك تايمز
كانت مدينة النبطية يوماً ما تُعبِّر عن تقلّّبات حظوظ لبنان وتبدُّل أوضاعه. أمّا اليوم، وفي خضم حرب لا تنتهي، فهي تعبِّر عن أسوأ مخاوف البلاد. كانت ثاني أكبر مدن جنوب لبنان، ومركزاً تجارياً نابضاً بالحياة، حيث كان عشرات الآلاف يتدفّقون إلى سوقها التاريخي العريق، وإلى مجمّعاتها السكنية ومقاهيها وسوق المزارعين الأسبوعي الشهير فيها. وعلى مرّ السنين، أصبحت رمزاً لصعود جنوب لبنان وازدهاره منذ نهاية حرب أهلية طويلة. أمّا الآن، فالنبطية مهجورة. شوارعها خالية، ومتاجرها مقفلة أو مشوّهة بفعل الغارات الجوية. وتحلّق المسيّرات الإسرائيلية على ارتفاع منخفض، إلى حدّ يمكن معه تمييز ظلالها المتخذة شكل الصليب في السماء.
هكذا يبدو وقف إطلاق النار في لبنان
يظهر خط المواجهة الجديد بين مقاتلي «حزب الله» والقوات الإسرائيلية على بُعد أميال قليلة إلى الجنوب، حيث يتردَّد دَويّ القصف المدفعي وانفجارات الغارات الجوية المدوّية، مرسلةً أعمدة من الدخان الرمادي تتلوّى صعوداً فوق سفوح التلال. هكذا يبدو وقف إطلاق النار في لبنان.
«نتمنّى لو أنّنا نعيش الحرب التي كانت قبل وقف إطلاق النار»
ويُقِرّ كريم صالح (32 عاماً)، عنصر الدفاع المدني الحكومي في النبطية: «الأوضاع اليوم أسوأ حتى ممّا كانت عليه قبل وقف إطلاق النار. نتمنّى لو أنّنا نعيش الحرب التي كانت قبل وقف إطلاق النار». ويُعدّ صالح واحداً من قلّة قليلة من السكان الذين ما زالوا في النبطية، منذ أن صعّدت إسرائيل هجومها العسكري في جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة، وانهارت عملياً الهدنة الهشة.
خلال الأسبوعَين الماضيَين، دفع الجيش الإسرائيلي بقواته إلى عمق أكبر داخل البلاد وكثّف قصفه للجنوب والشرق. وردّ «حزب الله» بصواريخ مضادة للدروع وبمسيّرات FPV هجومية المحمّلة بالمتفجرات، فأسفرت عن إصابة وقتل عشرات الجنود الإسرائيليّين.
لبنان نقطة اشتعال ضمن النزاع الأوسع الذي يلتهم المنطقة
وقد أصبح التصعيد في لبنان نقطة اشتعال ضمن النزاع الأوسع الذي يلتهم المنطقة، ويهدِّد بنسف محادثات سلام تقودها الولايات المتحدة مع إيران التي اشترطت إنهاء الحرب في لبنان، إذ انخرط فيها حليفها «حزب الله» بإطلاق النار على إسرائيل، بعدما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضدّ إيران في أواخر شباط.
لكنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن عزمه مواصلة الحملة العسكرية في لبنان مهما كانت الكلفة. فاصطدمت هاتان المقاربتان يوم الأحد، عندما استهدفت القوات الإسرائيلية منطقة الضاحية الواقعة على الأطراف الجنوبية لبيروت، ما دفع إيران إلى شنّ وابل من الصواريخ الانتقامية على إسرائيل. وردّت إسرائيل بعد ذلك بموجة من القصف داخل إيران.
بين وعود بهدن جديدة وحافة حرب شاملة
ومنذ ذلك الحين، أشارت الدولتان إلى رغبتهما في تهدئة ذلك القتال، إلّا أنّ الحرب في لبنان استمرّت بلا انقطاع. وهي اليوم تتأرجح مجدّداً بين وعود بهدن جديدة وحافة حرب شاملة. ويتجلّى هذا الواقع بوضوح في النبطية.
ففي أواخر أيار، أصدرت إسرائيل إنذاراً بإخلاء المدينة بأكملها مع تصعيدها لهجومها، وهو أول إنذار واسع النطاق من هذا النوع للنبطية منذ اندلاع الحرب. وبعد أيام، سيطرت القوات الإسرائيلية على قلعة الشقيف، على تلة جنوب النبطية مباشرة، ورفعت عليها العلم الإسرائيلي الذي أمكن رؤيته من داخل المدينة. وتُعدّ هذه النقطة أبعد موقع تقدّمت إليه القوات الإسرائيلية منذ بدء هذه الحرب.
وأثار الإنذار الإسرائيلي واقتراب خط المواجهة حالة من الذعر في المدينة. وخلال الأسبوع الماضي، جال فريق من عمّال الإنقاذ برفقة الجيش اللبناني في الشوارع، لمرافقة السكان الذين كانوا يخشون المغادرة بمفردهم، وكذلك للتوسّل إلى أولئك الذين رفضوا الرحيل.
ويقرّ محمد شمس (61 عاماً)، فني مختبر متقاعد، ومن القلّة الذين اختاروا البقاء في المدينة: «القصف، والمسيّرات، والطائرات الحربية… كان تحمّل هذا كلّه أصعب بكثير من أي حرب سابقة». وفي مرحلة سابقة من الحرب، عندما اشتدّ القصف، كان ينام في سيارته خارج المستشفى الحكومي الرئيسي في المدينة، إلى جانب عشرات آخرين رأوا فيه ملاذاً من الضربات الإسرائيلية. لكن منذ تصعيد الحملة الإسرائيلية، لم يعُد حتى محيط مستشفى نبيه بري يبدو آمناً.
فقبل أكثر من أسبوع بقليل، كان شمس يقترب من بوابة المستشفى لجلب دواء قرابة الساعة السابعة صباحاً عندما أصابت غارة إسرائيلية منطقة مجاورة، فأطاحت به أرضاً وقذفت شظايا إلى صدره وجمجمته: «شعرتُ وكأنّ ناراً مشتعلة تشتعل في جسدي، هذا كل شيء، هذا كل ما أتذكّره».
ومنذ ذلك الحين، أُدخِل شمس إلى المستشفى الذي كان يقصده بحثاً عن الأمان، وهو يفكر الآن في ما إذا كان سيعود إلى منزله أم سيبحث عن مكان في أحد الملاجئ إلى الشمال.
«لا أحد يغادر المستشفى، الجميع خائفون»
وكانت عائلات معظم العاملين في المستشفى قد بدأت بالإقامة فيه عندما اندلعت الحرب، إلّا أنّها غادرت خلال الأسابيع الأخيرة بحثاً عن ملاذ في بيروت أو صيدا.
أكّد الدكتور مصطفى حمزة، جرّاح الأعصاب: «لا أحد يغادر المستشفى، الجميع خائفون». وتتصل به زوجته، الموجودة في بيروت، باستمرار للاطمئنان إليه. وبعد كل ليلة من القصف العنيف، ينظر الدكتور حمزة من نافذة إحدى غرف العزل نحو منزله القابع على تلّة مجاورة، ليتأكّد إذا كان لا يزال قائماً. فيُضيف: «لماذا ينبغي أن نعيش بهذه الطريقة؟ إنّنا محطّمون من الداخل».
