يعتقد كثر أنّ أوراق لبنان معدومة عند الدخول في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لإنهاء حال الحرب بين البلدَين، لكن على رغم من أنّ بيروت لا تمتلك أوراق قوّة عسكرية لتطرحها على طاولة التفاوض، إلّا أنّ أوراق السياسة والاقتصاد والديبلوماسية ليست بقليلة أو ضعيفة باليد اللبنانية، وقد حان الوقت لاستثمارها، بعد نهاية جولات واشنطن لتثبيت وقف إطلاق النار.
بينما تشتدّ الاستهدافات والغارات وتتسع رقعة التدمير الممنهجة إسرائيلياً في الجنوب، وبعدما طاولت الضاحية الجنوبية لبيروت لاغتيال قائد «قوة الرضوان» في «حزب الله»، تتفق حكومتا لبنان وإسرائيل على أنّ الحزب «مشكلة مشتركة» للحكومتين، بحسب ما نتج من اجتماعَي واشنطن الأولَين، إلّا أنّ ما يُضاف إلى ذلك، هو أنّ الحزب بالإمكان أن يكون مشكلة مشتركة للحكومتين مع أصدقائهما من دول حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، الذي يترنّح تحت وطأة تهديدات ترامب.
وبحسب ما يعتقد ديبلوماسي أوروبي، بلده ضمن «الناتو، في حديث لـ«الجمهورية»، فإنّ في هذه المشكلة فرصة للبنان. ويضيف موضّحاً: «أبدت إلى حدّ اللحظة أربع دول استعدادها لتحلّ مكان قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) عند انتهاء فترة تواجدها في الخريف المقبل. ثلاث من هذه الدول الأربع هي ضمن «الناتو»، وتسعى إلى اتخاذ موطئ قدم ونفوذ عبر لبنان. وهنا تكمن الفرصة الكبرى، إذ يمكن لهذه الدول إعادة تنشيط جيوشها التي تباطأت وتيرة عملها في العقدَين الأخيرَين، عبر عملها إلى جانب الجيش اللبناني، في سحب سلاح «حزب الله» من منطقتَي جنوب وشمال الليطاني، وصولاً إلى البقاع، حيث الظروف الطبيعية غير سهلة».
ويعتقد الديبلوماسي نفسه، أنّ محاولة فرنسا الانقضاض على فرص الاستثمار المتواجدة في لبنان مستعجلة، إذ إنّ الولايات المتحدة قد تبطئ من هذه العمليات الاستثمارية، إلّا أنّ «فرنسا بالتعاون مع الحكومة اللبنانية، يجب عليها العمل على تحضير بيئة مناسبة للاستثمارات عبر الأمن والاستقرار، فتكون مكافأتها باستثمارات في الاتصالات والمطار في عكار والكهرباء والتنقيب عن الغاز…».
هنا يصف الديبلوماسي المحاولات الفرنسية لتوسيع نفوذها الاقتصادي، بمحاولة الالتفاف على المبادرة الأميركية لإنهاء الحروب اللبنانية مرةً وإلى غير رجعة، وهذه ورقة قوّة للبنان يمكنه طرحها على شكل «أي دولة تتعاون مع الجيش في بسط سيطرته على جميع أراضيه وسحب سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وحل مشاكل عودة النازحين، تُسهَّل استثماراتها التي هي في آنٍ حاجة ماسّة للبنان، لكن لا يجب أن يترك المجال من دون إدارة أمام أي دولة لا تتعاون معه في تسليح جيشه وفرض النظام».
إلى ذلك، يتحوَّل هذا التعاون إلى شراكة لبنانية-غربية في الأمن والإقتصاد والديبلوماسية، وعبره يؤمن هذا الديبلوماسي بأنّ «إسرائيل ستكون تحت الضغط، للالتزام بمندرجات أي اتفاق أمني قائم على مبدأ: خطوة مقابل خطوة. أي أنّ كلّما جُرِّدت منطقة من السلاح غير الشرعي، انسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء حدوده. بذلك تكون الدولة اللبنانية كسبت أمنها وسيادتها ومصداقية، هي بأمسّ الحاجة لإظهارها أمام المجتمع الدولي، وأكثر من ذلك أمام شعبها، وتحديداً الجنوبيِّين الذين سيتمكّنون شيئاً فشيئاً من العودة إلى قراهم، تمهيداً لإعادة الأسرى تالياً وإعادة الإعمار. فمع وجود هذه الشراكة، يصبح مطلب تل أبيب الدائم بـ«حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها» بلا جدوى».
«حزب الله» فرصة لأوروبا في «الناتو»
ولا يُخفى صعوبة تنفيذ الحكومة اللبنانية وشركائها المحتملين لهذه الخطة بسبب تعنُّت «حزب الله» وإصراره على عدم التعاون، بفعل العامل الإيراني المعرقل لأي مسار «يقصّ أجنحة أذرعته العسكرية»، إلّا أنّ الديبلوماسي يشدّد على أنّ «تنفيذ هذه الشراكة، سيكون ورقة ضغط أميركية على حلف «الناتو» بأكمله وليس فقط الدول المشاركة، لأنّ أوروبا بكاملها بحاجة ماسّة لإبداء جهوزيّتها العسكرية وإثبات جدوى وجود الحلف. وإزالة ترسانة أكبر حزب مسلّح في العالم ستكون انتصاراً للجهود الأوروبية وجيوشها والحكومة اللبنانية وشعبها الجنوبي، والديبلوماسية الأميركية وأمن إسرائيل. الجميع يفوز ما عدا «حزب الله» وإيران».
بكلام آخر، يضيف الديبلوماسي، أنّ هذه الشراكة تعني لقوّة القانون الدولي الديبلوماسية، فتُنفَّذ قرارات الأمم المتحدة، ويُحكَم لبنان بالقانون من دون عرقلة الإمكانات الضعيفة للجيش اللبناني في الانتشار وتفكيك البنى التحتية العسكرية وشبكات التهريب.
إلى ذلك، تُضاف إلى لبنان ورقة سحب السلاح في جعبته ضمن مسار التفاوض. فإذا ما رأت الحكومة اللبنانية مكسباً من التطبيع فتستخدمه، وإذا لم ترَ ذلك فتبقى ضمن إطار اتفاق سلام لإنهاء جميع النزاعات المسلحة مع إسرائيل.
وعلى رغم من رفض إسرائيل المتكرّر للدور الفرنسي في أي اتفاق بينها ولبنان، إذ تعتبره عائقاً أمام مشاريعها، تصبح الورقة الفرنسية إلى جانب الشركاء الآخرين بمثابة «ورقة قوّة للبنان بوجه تل أبيب وحتى واشنطن، من دون استفزاز أي مكوِّن لبناني خلال هذه الظروف السياسية والطائفية الهشة».
كما أنّ لبنان يمكنه طرح طلبات شراكة أخرى، تختص بتفكيك البنى التحتية لتبييض الأموال وتهريب السلاح عبر الحدود، لتكون ضامنةً لاستقراره وداعمةً لمسار بناء مؤسساته بشفافية ومصداقية أمام المجتمعَين المحلي والدولي، عبر تطوير أجهزة الدولة الرقابية وإمكاناتها التكنولوجية وبناها التحتية الرقمية والاقتصادية.
بالتالي، فإنّ لبنان لا يدخل المفاوضات من دون أوراق، بل يحمل أوراقاً قد تكون أهم من قدراته العسكرية، وفي مقدمتها، تكوينُه مصداقية حكومة اختارت الشرعية المؤسسية على حساب سردية «حزب الله» القائمة على عدم جدوى الديبلوماسية.
