الرئاسة اللبنانية الأولى تدخل عام الشغور الثالث والنواب لا يتفقون بعد على مرشح يحظى بغالبية في مجلس الـ 128 مقعداً، يتوزعونها بانتماءاتهم بين ما هو معروف في الأحزاب السياسية والطائفية والإقطاعية، وما هو معروف أو غير معروف من تأثيرات النفوذ الإقليمي والدولي في اتجاهات النواب، وكأن اللعبة التي عصفت بلبنان منذ العام ١٩٥٨ ولا تزال، والتي امتدت بعده إلى العراق وسورية من جهة، وتونس وليبيا من جهة ثانية – مع حفظ قواعد النسبية – مستمرة فصولاً وأدواراً، ولا تريد للعالم العربي والإسلامي أدنى درجات الاستقرار التي يستحقها كلّ بلد مستقل يحرص على سيادته وحرّية اختياره للمواقف والتوجهات.
لقد استقل لبنان ومن بعده سورية، خارجين من الانتداب الفرنسي، الذي عرفا في ظله قيام الحياة الدستورية والبرلمانية، ودخلا جامعة الدول العربية عام ١٩٤٥، مع التطلع الواسع الى العالم الخارجي، حيث برز الحقوقيّون ورجال التشريع الحديث الراقي، علاوة على ظهور موجات متتالية من الأدباء والشعراء والمفكرين الذين حلقوا داخل البرلمان اللبناني والبرلمان السوري كما برزوا وحلقوا في الملتقيات الدولية داخل منظمة الأمم المتحدة وداخل منظمة اليونسكو المتفرعة منها على الأخص، فكان نجاح الأسماء الكثيرة مدعاة فخر وطني واعتزاز ثقافي يتناقصان مع السنين، ويجعلان البلدان في مأساة حزن وحداد على ما فقدا وما لا يمكن تعويضه من خلال الهدر الحاصل في القيم والمبادئ الخلقية والسياسية، وفي ضوء الأحوال القائمة حالياً، وذلك من دون تحليل الروابط التي تجمع كلاً من بيروت ودمشق، ببغداد، او سواها من العواصم العربية المرهقة بالمتاعب والأزمات …
وعندما استقل لبنان وسورية، كانت المملكة العربية السعودية، بقيادة المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، في طليعة من حضن استقلالهما ودعمه، كما كانت مصر بدورها العربي العريق في الموقف نفسه، فانطلقت سياسة الاستقلال بين بيروت ودمشق، ثابتة ونامية، بهذا العطف العربي الصحيح، حيث كان عدد غير قليل من البلدان العربية لم يحقق الإستقلال بعد، وحيث كان العراق نفسه خاضعاً للنفوذ البريطاني الذي أراد من اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة، جعل العراق وخيراته تحت وصاية لندن.
والحديث عن التعاون الأخوي السليم في مرحلة الاستقلال بين بيروت ودمشق، له عناوين وأمثلة كثيرة أبرزها اقتراح الرئيس الاستقلالي السوري الأول، شكري القوّتلي، على الرئيس الاستقلالي اللبناني الأول الشيخ بشارة الخوري وعلى شريكه في النضال الزعيم رياض الصلح، تسمية “الميثاق الوطني” استكمالاً للتوافق اللبناني الداخلي حول سيادة لبنان وعروبته وانفتاحه على أشقائه العرب جميعاً.
فأين صارت معالم السيادة والاستقلال بعد تفكك الدولة اللبنانية، واكتفاء المطالبين بانتخاب رئيس جديد، بحصص وزارية ونيابية، ووظائفية، علاوة على عدم اكتفائهم بالصفقات المتنوعة التي يتنازعون النفوذ في شأنها، وكل فئة تسكت عن الفضائح المالية لدى الفئات الأخرى، وإن اختلفت جميعاً على المواضيع السياسية والإدارية الأخرى شرط ألاّ يقول أحد لغيره، من أين جاءتك ملايين الدولارات، بين يوم وآخر، وكيف يتحول الولاء من دولة إلى اخرى، وفقاً الى تنوع السياسات، وتبدُّل المواقف. يستوي في ذلك، كلّ قطاع برلماني أو وزاري، بالمنافع الاستغلالية تغطيها شعارات لم يبق لها مفعول داخل المجتمع. وفي لحظة من التوقف عند اللباقة التي يمارسها الرئيس نبيه بري في إدارة شؤون المجلس النيابي وكتله ولجانه، وجلساته التي لا ينعقد فيها النصاب القانوني، يظل المراقبون مرتاحين إلى ما تبقى من حياة برلمانية، وإن استمرت بتمديد النواب لأنفسهم، لا بإرادة الناخبين أصحاب الحق في ذلك.
والحديث عن حكومة الرئيس تمام سلام فيه ضمانة لما تبقّى داخل السلطة التنفيذية، من أمل بإصلاح الدولة، لأن الـ24 وزيراً الذين جمعهم في حكومته والذين يمثلون الفوضى السياسية القائمة بالبلاد، هم كما هم، ولكن الإنصاف يقضي بالقول أن وطنية تمام سلام ونزاهته وفّرا إطاراً هادئاً نسبياً للوزراء المتناقضين في ميولهم والتابعين عملياً لأحزابهم خارج الحكومة في معالجة القضايا الكبرى.
وفي العودة الى رباعية بيروت ودمشق والرياض والقاهرة، يتحتم القول إن لبنان وسورية في حاجة الى التعاون مع المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، على رغم التطورات السلبية التي باعدت ولا تزال تباعد هذا التعاون، وعلى رغم كون الموازين الإقليمية والدولية قد تغيرت، فصارت إيران ذات حضور قوي في المنطقة وصارت الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الذي عقب النفوذين البريطاني والفرنسي، سواء في إرضاء إسرائيل وأطماعها داخل فلسطين وخارجها، أو بالسعي الى الحفاظ على مصالحها أياً كان المنطق الذي تستند إليه، ولو أساءت واشنطن الى علاقاتها مع أصدقائها الطبيعيّين من المغرب العربي الكبير الى المشرق العربي.
والتفكير في عودة لبنان وسورية الى حالة الاستقرار الأولى التي رافقت إعلان الاستقلال، يقتضي التوفيق بين موسكو وواشنطن وطهران والرأي العام العربي في مختلف أقطاره، إذ إن المواطنين الصامتين وهم الكثرة، في المعارك السياسية، هم أصحاب الحق والقرار والتأثير في المدى البعيد، قبل جموع التظاهرات والإضرابات، حيث يبقى على العواصم الدولية الكبرى التي تتدخل في كل بلد باسم العولمة الفاشلة لتحقيق مصالحها، أن تعي مصالح الآخرين وأن تدرك كيف تقوم حركات العنف والتطرف لتهدّد أمن العالم كردّود فعل على السياسات الدولية المخطئة بحق الشعوب.
وفي العودة الى بيروت بالذات وأزمة سورية على خطورتها، قد تحل ربّما بالمفاوضات. فإن تحريك الوضع الجامد أصبح أمراً مُلحاً أكثر من أي وقت نظراً الى التفكك الاجتماعي والاستغلال الطائفي والهزال المتزايد الذي يفتك بالمؤسسات لمنعها من التحرّك للعمل الوطني العام المجدي.
وبينما تبرز في هذا الإطار، مشكلات قانون الانتخاب الذي يحتاج الى تقسيمه لدوائر إنتخابية فردية، ويبرز موضوع إنتخاب رئيس الجمهورية الذي ينبغي حصوله مباشرة من الشعب، لا داخل البرلمان نفسه، وإن بقيت التسويات الطائفية قائمة بانتظار تحرير النفوس منها قبل النصوص، فالأرجح أن تطول أزمة الشغور الرئاسي سنة أخرى أو أكثر. والمسؤولون السياسيون، غير عابئين بتقصيرهم حيال البلاد وحيال الأجيال المقبلة.
وأما الأخطار التي تهدد البلدان العربية الأخرى، والتي لا يستطيع لبنان فصل وضعه المتأزم عنها، فقد يكون من واجب السياسيين الواعين لمسؤولياتهم، التحرك عربياً، ودولياً، لإعادة التعاون بين العرب بعدما غاب عنهم من خلال أزمات السنوات الخمس الماضية، وبذلك يتمكنون من تجنيب ليبيا مثلاً أخطار الانقسام والتطرف والوقوع في المجهول، ومساعدة تونس على تثبيت استقرارها الديموقراطي في دعمها ضد حركات الهدم والإخلال بالأمن، وهي حركات تأخذ من الكبت والقهر، سبباً للقيام بأعمال عنف تسيء الى المواطنين الأبرياء، أينما كانوا، في حياتهم ورزقهم وسلامة حياتهم.