Site icon IMLebanon

«اللهم إجعل عبورنا سريعاً!»

        

كلّ طرف يعلن أنه سيردّ «انتحارياً»: وزير الاستخبارات الإسرائيلي يسرائيل كاتس يهدِّد بضرب البنى التحتية في كلّ لبنان، لأنّ مرحلة عدم الردّ ولّت إلى غير رَجْعة». وفي المقابل، بعد تهديد السيد حسن نصرالله بضرب مفاعل ديمونا النووي، يردّ الرئيس ميشال عون على إسرائيل، وبالعبارات إياها: «زمن العدوان بلا رادع ولّى إلى غير رَجْعة». وهكذا انطلقت الهواجس: هل مِن «رَجْعةٍ» تنتظر لبنان، وهو لم يشفَ من كارثة 2006؟

رفع عون سقف مواقفه من إسرائيل حتى يكاد يلتحم بـ«حزب الله». وهدَّد إسرائيل بـ«الردّ المناسب»، من دون أن يحدِّد مَن سيردّ: الجيش أم المقاومة أم الإثنان معاً؟ ومن دون أن يتبنّى تهديد نصرالله بضرب مفاعل نووي.

وفي أيّ حال، هناك مَن يسأل: أيّ «زمن» هو المقصود ببيان القصر الجمهوري الذي جاء فيه «إنّ زمن عدم الردّ قد ولَّى»؟ فالجيش بقي يردُّ دائماً، منذ 11 عاماً، على أيّ اعتداء إسرائيلي في ظلّ القرار 1701.

فهل المقصود أنّ المقاومة هي التي ستتولّى الأمر بعد اليوم، وتالياً هل يلوِّح عون بأنّ لبنان الرسمي سيتبنّى موقف «حزب الله» المعارض للقرار 1701؟ وما تداعيات ذلك؟

ثمّة مَن يقلِّل من أهمية المواجهات الكلامية الثلاثية بين إسرائيل ولبنان الرسمي و»حزب الله»، لأنها في الواقع صدى لمواجهة ثنائية بين الإدارة الأميركية الجديدة وإيران، يتمّ فيها استخدام لبنان واللبنانيين ساحةً وأدواتٍ للضغط.

ليست هناك رغبة لدى «حزب الله» بفتح جبهة ليس الآن وقتها مع إسرائيل، فيما هو يشارك بقوة في رسم الخيارات الاستراتيجية الكبرى على الأرض السورية. وهو يقوم بذلك طبعاً بصفته جزءاً من آليات المواجهة الإيرانية.

كما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس في وارد الانغماس في مواجهة لا قيمة استراتيجية لها في لبنان، ولا تؤدّي إلى أيّ نتيجة، كما جرى عام 2006، فيما هو يصبّ اهتمامه على الطريقة التي ستمنح إسرائيل أكبر تغطية من الولايات المتحدة لتصفية ما بقي من القضية الفلسطينية:

إنهاء «حلّ الدولتين»، التخلّص من حقّ الفلسطينيين في العودة، يهودية الدولة بما تعنيه من خطوات ديموغرافية وجغرافية، تشريع المستوطنات وتوسيعها وتمويل بنائها، تكريس القدس عاصمة أبدية لإسرائيل بدءاً بنقل السفارة الأميركية إليها، والحصول على أكبر مقدار من الدعم بالسلاح والمساعدات المالية.

وأثمرت زيارة نتنياهو لواشنطن خطوات في هذا الاتجاه. فالعلاقات بينه وبين الرئيس دونالد ترامب- حتى على الصعيد الشخصي- وثيقة جداً. وسيقوم الإسرائيليون باستثمار السنوات الأربع من عهد الإدارة الأميركية الحالية لحسم كثير من الملفات، فيما العرب غارقون في حروبهم الداخلية.

إذاً، ليس هناك مبرِّرات منطقية تدفع إسرائيل إلى فتح جبهة عبثية وغير محسوبة النتائج مع لبنان، خصوصاً أنّ الفوضى القائمة في سوريا قد تؤدي إلى تعقيدات إضافية، منها مثلاً احتمال إشراك الجولان بها.

في المبدأ، يقول المراقبون، التهديدات التي يطلقها «حزب الله» ويتحمّس عون لتغطيتها رسمياً ليست واقعية، بل هي حصة لبنان من «الكباش» بين إيران وترامب. وليس غريباً عن لبنان أن يؤدّي دور صندوق البريد للرسائل الإقليمية والدولية. لكنّها كشفت، بما لا يقبل الجدل، أنّ أولوية رئيس الجمهورية هي «حزب الله» لا واشنطن ولا سواها.

ولذلك، ستهدأ المواجهة الكلامية بين إسرائيل و«الحزب» (ومعه عون) عندما تهدأ المواجهة بين ترامب وطهران، وهذا الأمر يتوقع الإيرانيون حصوله بعد انقضاء فترة معيّنة على عهد الرئيس الأميركي، أي بعد أن يزول «الحماس» الظاهر عليه في مطلع عهده ضد إيران.

وفي رمزيّة تحليل الخطاب الذي أطلقه نصرالله، يبدو تهديده بضرب المفاعل النووي الإسرائيلي صدى مباشراً لتهديد ترامب بإسقاط الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، الذي تمّ التوصل إليه في تموز 2015. وهو بالتأكيد سيتبدّد عندما يتبدّد الموقف الأميركي. فخطاب نصرالله موجّه إلى ترامب لا إلى نتنياهو.

يراهن الإيرانيون على أنّ روسيا ستقوم بدور فاعل لتغيير صورة إيران لدى ترامب، بدءاً من دور طهران في محادثات أستانة كضامن لوقف النار، ولاحقاً في تسويات جنيف المحتملة. كذلك يراهنون على أنّ ترامب سيقتنع، كما اقتنع سائر الغربيين، بأنّ دور حلفائها حيوي. فبقاء الأسد أمر لا بديل منه في سوريا، ودور «حزب الله» أساسي لوقف تمدّد المنظمات الإرهابية إلى لبنان.

الأمر يحتاج إلى بعض الوقت، في اعتقاد الإيرانيين، لكنه سيحصل. وفي انتظار ذلك، لا بأس برسائل السقف العالي التي تترجمها التهديدات المتبادلة مع إسرائيل، ولا بأس في أن يكشف رئيس الجمهورية اللبنانية، المسيحي، المعروف بأنه كان أوّل المشجّعين على ولادة القرار 1559، عن موقفه الحقيقي كحليف حقيقي لـ«الحزب»، أيّاً كانت الأكلاف داخلياً وخارجياً. فمتطلبات المعركة فوق كلّ اعتبار.

الآن، على عون أن يردّ الجميل لـ»الحزب» مجدّداً. وهو يفعل كما فعل «الحزب» عندما ردّ له الجميل (الجميل جداً) وأوصله إلى رئاسة الجمهورية. إنها في العمق علاقة ذات طبيعة وظيفية، يؤدّي فيها كلّ طرفٍ دوراً يتكامل مع الدور الآخر.

هل يخشى «حزب الله» وعون أن يؤدّي هذا الدور إلى عواقب غير مرغوب فيها تهدِّد الصفقة السياسية التي كان «الحزب» أبرز داعميها، والتي جاءت بعون والحريري وجعجع إلى الحكم، بهدف توفير تغطية إنترطوائفية وإنترمذهبية، داخلية وخارجية له ولسلاحه ولدوره في سوريا؟

حتى الآن، يلتزم الحريري وجعجع بمقدار عالٍ من التحفّظ عن الردّ على عون و»الحزب». ربما هما ينتظران أيضاً أن تمرّ الموجة وتعود الأمور إلى هدوئها. فلا داعي لإسقاط تسوية «كلَّفتنا إلى هذا الحدّ وربَّحتنا إلى هذا الحدّ. فلننتظر أيضاً». والأرجح أنّ عون نفسه يستعجل زوال الغيمة أيضاً من فوق قصر بعبدا… وإن لم تكن «شؤون الطقس» في يده!

لا يريد عون المبالغة في التحدّي، وهو يتلقّى الرسائل العربية والدولية بأن «يروق». وهو أساساً في صدد أجندة انفتاحات عربية يستفيد منها حتى «حزب الله». ولا يريد المبالغة في التحدّي داخلياً بإظهار أنه عون2 المنقلب على عون1 التسووي المعتدل مع الحريري والسائر بهدْيِ «ورقة النيات» مع «القوات اللبنانية».

لذلك، يريد الجميع أن ينتهي «الكباش» الأميركي – الإيراني بأقلّ الأضرار، وشعارهم في هذه المرحلة: «اللهم إجعل عبورنا سريعاً». إنه السميع المجيب!