المطلوب أن تكون نهاية مسار المفاوضات المباشرة اتفاقية سلام، وليس أقل من ذلك. أنصاف الاتفاقيات تؤدي إلى أنصاف الحلول، وإلى انتكاسات مستقبلية لم يعد جائزًا أن يتحملها اللبنانيون.
عقبات كثيرة في الطريق، لعل أهمها الإقلاع عن الذهنية التقليدية التي درج عليها المسؤولون والتي تتوسع في التحليل والتنظير كي لا يُقال ما يجب أن يُقال وأن يُعمل. المواربة في طرح الأمور على حقيقتها لم تجد يومًا نفعًا، وآن أوان قول الحقيقة مهما كانت صعبة. الدولة حسمت أمرها وهي لا تتبنى ازدواجية في معايير السيادة، إن بالنسبة إلى إيران أو إسرائيل. لذا يجب إسقاط مقولة أن لبنان يجب أن يكون آخر الموقعين مع إسرائيل.
لماذا نكون آخر الموقعين ولبنان الدولة العربية الوحيدة و “الأخيرة” التي لا تزال جبهتها مشتعلة مع إسرائيل ومنذ أكثر من نصف قرن، بينما، ومنذ عام 1973، كل الجبهات العربية تنعم بالهدوء، من مصر إلى الأردن إلى سوريا؟ لقد قتلت أميركا أهم شخصية في إيران، وخامنئي الأب في مفهوم “ولاية الفقيه” نائب للأئمة المعصومين أي بمعنى من المعاني قتله أشدّ فداحة من احتلال قطعة من الأرض، ورغم ذلك أهم من بقي حيًا من أركان النظام يفاوض أميركا وجهًا لوجه في باكستان. فلماذا ما يحق لإيران هو من الكبائر السياسية في لبنان؟ ولماذا التفاوض مباح مع “الشيطان الأكبر” ومرفوض مع “ربيبته”إسرائيل وهي “الشيطان الأصغر”؟
نستحق اتفاقية سلام، لننتهي من هذا الاستخدام الانتهازي لجنوبنا الذي لم يكن يومًا هدفه تحرير فلسطين، بل استعمال الجنوب لتبرير “شرعية” الأنظمة المستبدة وتقوية أوراقها الإقليمية. نريد اتفاقية سلام لأن التوازن الدبلوماسي مع إسرائيل ممكن، أما التوازن العسكري فخرافة إلا إذا استطعنا تخصيص ميزانية سنوية للجيش وقدرها 20 مليار دولار. من الأعذار القديمة أن أميركا لن تسلح الجيش اللبناني حتى يبقى ضعيفًا في المواجهة مع إسرائيل. بمعزل عن الهبات السنوية والمجانية، أميركا هي المصدر الأساسي لسلاح المؤسسات العسكرية ومنذ أكثر من ستين سنة. لماذا طيلة 37 سنة، حينما كانت دول “الممانعة” تمسك بالقرار اللبناني، لم ترفض السلاح الأميركي، وتستعيض عنه بسلاح آخر يوازي قوة إسرائيل؟ لماذا لم يفتح نظام الأسد جبهة الجولان للمقاومة السورية والإيرانية والفلسطينية لتخفيف الضغط عن جبهة الجنوب؟ هناك حاجز نفسي يجب أن ينكسر، وطريقة تفكير متهالكة يجب أن تدفن، وإضاعة فرصة السلام ستهدد بقاء النظام.
الذهنية التقليدية السائدة جعلتنا نتخذ القرارات اللازمة بأغلى الأثمان لأننا كنا نتخذها على طريقة “مكره أخوك لا بطل”. كنا كمن لا يسدد رسمًا بلديًا في أوانه، ويفضل دائمًا أن يسدده في وقت متأخر مع الغرامة المالية الباهظة. يوم كان لبنان يملك قراره لم تكن هناك قرية جنوبية واحدة محتلة، ثم توالت “المقاومات” الخارجية وتوالت الاحتلالات. نحن أمام مهلة ثلاثة أسابيع مفصلية، والدولة “تحارب” على جبهتين، داخلية لنزع السلاح الإيراني، وخارجية لرفع الاحتلال الإسرائيلي، وعلى الجبهتين تمتلك أقوى الأوراق لأنها تحظى بدعم أكثرية اللبنانيين ومعظم دول العالم. في الاجتماع غير الرسمي لقادة دول الاتحاد الأوروبي قبل أيام قال الرئيس جوزاف عون أن لبنان قادر على تجاوز “إدارة الأزمة”، وهذا عين الصواب لأن الأزمات تحمل أيضًا فرص الحلول، فعسى أن لا تضيع الفرصة التي تلوح في الأفق.
