قبل ظهر 20 تشرين الأول 1975 وصل إلى شارع فردان شاب زغرتاوي يدعى فيليب الخازن لتفقد منزله مستغلًا هدوء الأوضاع بين ما عرف بالجولة الرابعة والجولة الخامسة من الحرب اللبنانية.
لم يكن مر دقائق على وصوله حتى صرعته عند مدخل شقته رصاصات أطلقها عليه مسلح مجهول.
من هو فيليب الخازن وماذا جرى معه يومها؟
فيليب طانيوس الخازن من زغرتا موظف في مطار بيروت كان يقيم في شقة استأجرها في شارع فردان.
أراد يومها تفقد شقته التي كان تركها من نيسان 1973 وما عاد قصدها إلا في زيارات خاطفة، فوصل مع سائق تكسي يعرفه، الذي أخبر لاحقًا النائب سمير فرنجية أنه بسبب زحمة السير لم يتمكن من إنزال فيليب أمام البناية فأوقف السيارة بعيدًا حوالى 50 مترًا وأكمل فيليب سيرًا على قدميه.
أضاف السائق: شاهدت فيليب يتحدث مع ناطور البناية ويدخل وعلى الفور غادر الناطور ليعود بعد دقائق ومعه 3 مسلحين بقي أحدهم عند المدخل فيما صعد الناطور مع المسلحين إلى داخل المبنى، وبعد دقائق نزلوا وغادروا جميعًا. طال انتظاري وقلقت ورحت أسمع صراخًا فنزلت أحاول البحث عن فيليب فسمعت بعض الناس يقولون: قتلوا الخازن.
صعقني ما أسمع وأنا أعرف فيليب جيدًا، ولكن لا أعرف في أي شقة يقيم، فأسرعت بالدخول إلى البناية مع من وصلوا كأي مواطن عادي وصعدت السلم فشاهدته مقتولًا عند باب شقته يسبح في بركة دم، فعدت إلى السيارة وانطلقت ولم أخبر أحدًا من أكون؟
وأنا منطلق شكرت الله أني أوقفت سيارتي بعيدًا عن البناية ولم يعرفني أحد، وبعد أن ابتعدت أخذت ورقة كان أعطاني إياها فيليب عليها رقم هاتف يخص معاونًا في الدرك من زغرتا يدعى عبدو فرنجية طلب مني الاتصال به إذا جدّ أي طارئ.
اتصلت بالرقم وأخبرت المعاون عبدو فرنجية بما جرى فجن جنونه وشتم كيف يتوجه فيليب إلى فردان؟
ماذا يخبر سمير فرنجية عن مقتل فيليب الخازن؟
اتصل بي رامز الخازن وكان عبدو فرنجية أخبره بما جرى وطلب مني محاولة معرفة ماذا حصل؟ ونقل جثمان فيليب الخازن إلى الشرقية.
صدمني الخبر وكانت تربطني صداقة بفيليب، الذي كان طوال فترة تواجده في بيروت عونًا لأبناء زغرتا – الزاوية خاصة المسافرين، فتواصلت مع ياسر عرفات وكمال جنبلاط وأبو حسن سلامة وأمنت نقل جثمانه.
لماذا قتل فيليب الخازن؟
تبين من التحقيقات التي جرت من قبل قوى الأمن الداخلي و “أمن الثورة الفلسطينية”، أنه لم يُسرق أي شيء من منزل فيليب حتى محفظته لم يتم فتحها: وصل المسلحون طرقوا الباب وما إن فتح لهم حتى قتلوه عند المدخل وغادروا.
أصرّ الرئيس سليمان فرنجية ونواب زغرتا ورامز الخازن وسمير فرنجية على معرفة سبب قتل فيليب الخازن، وبعد فترة أبلغ جول البستاني رئيس الشعبة الثانية (مخابرات الجيش) الرئيس فرنجية أن سبب قتل الخازن عائد إلى ما جرى في فردان فجر 10 نيسان 1973 عند تنفيذ الكومندوس الإسرائيلي عملية قتل 3 قادة فلسطينيين، وهذا ما أبلغه أبو حسن سلامة لسمير فرنجية، وكانت اكتشفت جثة الناطور بعد أيام من قتل فيليب الخازن عند شاطئ خلدة.
ماذا جرى في فردان يومها وما علاقة فيليب الخازن بما حصل؟
استفاق لبنان صباح 10 نيسان 1973 على خبر اهتزت له البلاد والدول المجاورة، فقد تبين أنه فجر ذلك النهار قام فريق كومندوس اسرائيلي يقدر بـ 30 عنصرًا بإنزال من البحر في أحد “البلاجات” الخالية في منطقة الرملة البيضاء في ضواحي بيروت الجنوبية، وكان ينتظرهم مخبرون محليون نقلوا مجموعة منهم إلى محلة الفاكهاني حيث فجّروا مقر “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”، فيما توجهت المجموعة الثانية إلى شارع فردان في قلب بيروت، واقتحموا بناء يسكنه عدد من قادة منظمة التحرير الفلسطينية وقتلوا ببرودة محمد يوسف النجار (أبو يوسف) رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية وزوجته والشاعر كمال ناصر الممثل الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وكمال عدوان عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمسؤول عن عمليات فتح في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وغادروا.
هزّ ما جرى لبنان والبلاد العربية، فكيف حصلت العملية؟
بحلول عام 1973 صار الفلسطينيون في بيروت يشعرون بأنهم بين أهلهم، فالبزة العسكرية باتت عنصرًا معتادًا في حياة شوارع المدينة، ولم يعد أحد يستغرب إذا رأى جماعة من الفدائيين يخترقون بكامل عدتهم شارعًا أو مقهى في وسط العاصمة، وبحسب ما أورده العقيد جول البستاني رئيس الشعبة الثانية في الجيش اللبناني آنذاك في كتابه أقدار وتوقعات، والدكتور فريد الخازن في كتابه تفكك أوصال الدولة اللبنانية، ثمة روايتان حول كيفية حصول العملية الإسرائيلية تلتقيان على أن وحدة الكومندوس الإسرائيلية حملها زورق حربي أو أكثر نزلت على شاطئ بيروت، وانطلق أفرادها من منطقة الرملة البيضاء، لكن الروايتين تختلفان حول موقع نزول وحدة الكومندوس، ففي حين تورد إحداها أن أفراد الوحدة نزلوا في الموقع الذي عادوا وأبحروا منه قرب مسبح “الإيدن روك”، تقول الرواية الثانية إن المجموعة نزلت عند شاطئ الأوزاعي بعيدًا بعض الشيء من “الإيدن روك”، وتبين أن هناك أهدافًا ضربت في محلة الدورة عند الضاحية الشمالية لبيروت بما فيها مصنع ذخيرة يملكه أرمني كانت له صلات بحركة فتح وبحسب نقولا ناصيف في كتابه “المكتب الثاني حاكم في الظل”، أن هذا المستودع يملكه الفلسطيني حسن لزح ويستخدمه مشغلًا آليًا ولم تكن الشعبة الثانية والأمن العام اللبناني على علم به، وفي هذه الأثناء قصفت القوات الإسرائيلية مناطق ساحلية قرب مدينة صيدا لصرف الانتباه عن العملية في بيروت.
كان في انتظار وحدة الكومندوس الإسرائيلية التي نزلت على الشاطئ 4 عملاء أجانب كانوا وصلوا إلى بيروت قبل العملية بأسبوع للتخطيط لها، وأقاموا في فنادق مختلفة في العاصمة، وتبين من وثائق سفرهم أنهم كانوا من الرعايا الأوروبيين (بريطانيا، سويسرا، وبلجيكا). أحدهم كان غادر إلى روما قبل العملية بثلاثة أيام ثم عاد إلى بيروت في اليوم التالي.
يقول نقولا ناصيف في المرجع السابق، أن عدد العملاء كانوا 6 وانضم إليهم نهار العملية شخص هندي استأجروا 6 سيارات تجولت نهار العملية قرب منازل القادة الفلسطينيين، كما تعامل مع العملاء الأجانب أدلاء محليون أرشدوهم إلى مهمتهم، وكانت مهمة العملاء إعداد خطة التحرك على الأرض ثم نقل أفراد الوحدة بالسيارات إلى المواقع المستهدفة، واستخدم العملاء 4 سيارات استأجروها من وكالتين لتأجير السيارات في بيروت، وأوصلوا أفراد الكوماندوس إلى موقعين اثنين، واحد في مخيم صبرا حيث استهدفوا أحد المباني المعروف أن ياسر عرفات يرتاده، والثاني في شارع فردان حيث يقيم القادة الفلسطينيون الثلاثة، وبعد أقل من 40 دقيقة أنهوا مهماتهم وعادوا بهم إلى الرملة البيضاء حيث غادروا معهم تاركين سياراتهم على الشاطئ.
كيف نجا ياسر عرفات؟
بحسب ما جاء في كتاب الجاسوس النبيل الذي يروي سيرة حياة وموت روبرت ايمز مسؤول محطة المخابرات الأميركية في بيروت أن ياسر عرفات كان ينام تلك الليلة في شقة مجهولة قريبة من بيوت القادة الذين قتلوا، لكنه نجا لأن أحد حراسه سمع في الشارع أصواتًا خافتة تهمس بلغة أجنبية فأدرك أن شيئًا ما يحصل فأسرع وأيقظ أبو عمار وهرّبه من باب خلفي إلى سيارة نقلته إلى مكان آخر قبل أن يقع في قبضة الإسرائيليين.
هل كان أبو حسن سلامة مستهدفًا وكيف نجا؟
في المرجع السابق أن إيمز سرب إلى أبو حسن سلامة قائد القوة 17 في 26 آذار 1972 معلومات عن عملية إسرائيلية ستستهدف قادة فلسطينيين في فردان طالبًا منه نقل مقر إقامته من فردان إلى داخل أحد المخيمات الفلسطينية الأضمن والأكثر أمانًا.
أطلع أبو حسن سلامة ياسر عرفات على المعلومات التي وصلته فسخر منها واتهم الأميركيين بتسريب معلومات غير دقيقة بهدف تخويف منظمة التحرير الفلسطينية فيما تجاهل أبو حسن سلامة التحذير وبقي في شقته، وبعد حصول العملية قال أبو حسن لأحد الصحافيين أنه أصيب بالذهول من جرأة فرقة الاغتيال الإسرائيلية وأن ما جرى كان نتيجة إهمال كامل وهو ما يميز العقلية الشرقية التي تؤمن بالقدر “فشقتي تبعد عن شقة أبو يوسف النجار 50 مترًا ولم يتجرأ الغادرون الإسرائيليون على الاقتراب منها لأنه كان يحرسها 14 رجلًا بينما كان يحرس بناية القادة الذين قتلوا شابين فقط وكان يرفض أبو يوسف النجار زيادة عددهم”.
هل كانت فشلت العملية لو بات أبو إياد ليلته في فردان؟
كان صلاح خلف أبو إياد سيبيت ليلته عند الشاعر كمال ناصر ليستكملا بحثهما في قضايا فلسطينية، لكنه عدل عن قراره لأن الشاعر كمال ناصر كان منهمكًا في كتابة قصيدة مرثاة للشاعر الفلسطيني عيسى نخلة.
يقول مسؤول في فتح: من شبه المؤكد أن وجود أبو إياد في منزل الشاعر كمال ناصر كان سيؤجل العملية أو يبدل مسارها فمع أبو إياد 8 إلى 10 حراس كانوا سيقضون ليلتهم أمام البناية مع حارسي المبنى، فهل ستغامر المجموعة الإسرائيلية بالدخول إليه بوجود هذا العدد من الحراس؟ ومن المعروف أن حرس أبو إياد من الرجال المتمرسين الأشداء الذين ما كان سيخفى عليهم دخول هذا العدد من الرجال بعد منتصف الليل مرتدين معاطف في تلك الليلة الحارة، وهل كانت المجموعة الإسرائيلية قادرة على قتل 10 إلى 12 مقاتلًا غدرًا من دون اندلاع اشتباكات واسعة؟ لكنه القدر. هل كانت الشعبة الثانية تتوقع هذه العملية.
