Site icon IMLebanon

خلوة سيدة البير: عندما اجتمع “العقل” و”السلاح” لصياغة لبنان التعددي

 

 

افتتحت الجبهة خلوتها الجمعة 21 كانون الثاني واستمرت لغاية الأحد 23 منه

انتشرت “قوات الردع العربية” نهاية تشرين الثاني 1976 على قسم كبير من الأراضي اللبنانية، وبدا للجميع أن الدولة ستتسلم زمام الأمور، ولكن تبين حتى لغلاة المتفائلين أن الأوضاع أصعب مما تصوروا.

 

في أواخر كانون الأول 1976 تقرر عقد خلوة لـ “الجبهة اللبنانية”. ماذا يخبر الأباتي بولس نعمان في مذكراته عن التحضيرات للخلوة؟

 

يقول: عقدنا السبت 8 كانون الثاني 1977 أول اجتماع تحضيري في دير سيدة البير في بقنايا، حضرته إلى جانب الأبوين توما مهنا ويوسف مونس، وحضر أيضًا: فؤاد افرام البستاني ونجله حارث وفيكتور غريّب وجورج كرباج وبشارة حبيب وروبير عبدو غانم وكلود الزغزغي.

 

تداولنا في الخلوة التي يراد منها أن تشكل الأرضية المشتركة بين أركانها وأن تحدد ثوابتها السياسية والفكرية الأساسية، وخلال الاجتماع وصل الآباتي شربل قسيس لاطلاعنا على قرار “الجبهة اللبنانية” بتخصيص الخلوة للبحث في مشروع موسع ومفصّل حول صيغة اللامركزية السياسية، فتقرر تكليف روبير عبدو غانم وخير الله غانم إعداد مسودة لهذا المشروع، لبحثها في اجتماع آخر وإقرارها قبل عرضها على الخلوة.

 

الجمعة 14 كانون الثاني، عقد الاجتماع الثاني بحضور الرئيس السابق للرهبانية المخلصية ميشال حكيم والآباتي بطرس قزي والأب توما مهنا والسيدة سميرة الضاهر والسادة: روبير غانم، نسيب طربيه، نبيه عطالله، حارث البستاني، جان نفاع، جورج كرباج، سليم لحود.

 

كان على رأس جدول الأعمال: إبداء الرأي في كيفية التحضير للخلوة، إضافة إلى موقف حزب “الكتائب” مما كنا نعتبره “الصيغة اللبنانية الجديدة” القائمة على اعتماد بنية مركبة للنظام السياسي اللبناني، بحيث استحوز هذا الموضوع حيزًا كبيرًا من النقاش. إذ إن أدبيات “الكتائب” وهو الأكبر والأكثر تنظيمًا بين أحزاب الجبهة في الدفاع عن صيغة 1943 ولا يمكننا أن نتوقع أي تقدم للفكرة التي نعمل على بلورتها، طالما أنه معارض لها، ومال الرأي إلى وضع ورقة نحاول إقناع الكتائب بها، ثم استعرضنا مشروع “الصيغة اللبنانية الجديدة” الذي سيتم طرحه في الخلوة.

 

 

 

اجتماع الكسليك

 

في اليوم التالي عقد اجتماع في الكسليك شارك فيه: الأب توما مهنا، النائب إدوار حنين، نسيب طربيه، روبير غانم، جوزف أبو خليل، دوري شمعون، جان نفاع، موسى برنس، بحثت خلاله تحضيرات الخلوة.

 

افتتحت الجبهة الجمعة 21 كانون الثاني خلوتها واستمرت لغاية الأحد 23 منه.

 

ترأس جلساتها مداورة أعضاء الجبهة: الرئيس كميل شمعون، الرئيس سليمان فرنجية، الشيخ بيار الجميل، الأباتي شربل قسيس، وشارك فيها:

 

عن “المؤتمر الدائم للرهبانيات اللبنانية”: الأب بولس نعمان، الأب توما مهنا، الأب ميشال حكيم.

 

عن “الكتائب اللبنانية”: النائب إدمون رزق، الشيخ أمين الجميل، أنطوان معربس، إبراهيم نجار، جوزف أبو خليل، صلاح مطر.

 

عن “الوطنيين الأحرار”: دوري شمعون، موسى برنس، جورج أبو عضل، شارل غسطين.

عن “الجبهة الوطنية” التي يرأسها الرئيس سليمان فرنجية: هنري طربيه، جورج سكاف، جان نفاع.

عن “القيادة الموحدة للقوات اللبنانية”: بشير الجميل، داني شمعون، جورج عدوان، اتيان صقر (أبو أرز).

 

عن “أهل الميثاق والقلم”: النائب إدوار حنين، شارل مالك، جواد بولس، فؤاد أفرام البستاني.

حضر أيضًا بدعوة من الجبهة اللبنانية: خير الله غانم، وليد الخازن، فيكتور غريب.

تمحورت الأوراق المقدمة من أركان “الجبهة اللبنانية” حول النقاط التالية:

 

حرب لبنان: كانت حلقة من ضمن سلسلة طويلة ومن أسبابها أن فريقًا لبنانيًا أخفق في الوفاء بكامل التزاماته تجاه وطنه، وهناك سؤال يطرح ليس فقط عن طريقة الخروج من النكبة التي أصابت لبنان، بل عن وسائل تحصين لبنان ضد تكرار النكبات؟

 

الوجود الفلسطيني: من المسلّم به لدى الجميع، أن الدور الفلسطيني كان سلبيًا جدًا تجاه الوطن الذي فتح أبوابه أمام التاركين أرضهم، فبعد أن استضافهم حاولوا بناء دولتهم على أرضه.

 

الأحزاب والقوى السياسية المرتبطة بالخارج: هناك سؤال عن دور هذه الأحزاب التي حاولت استغلال تناقضات لبنان الأساسية ومناخ الحرية، إضافة إلى رفض عمل كل الأحزاب ذات الأفكار المستوردة، وغير المؤمنة بنهائية الكيان اللبناني.

 

قلق الشباب اللبناني: هناك قلق مصيري يتملك اللبنانيين لا سيما الشباب منهم، والمعبّر عنه بازدياد الهجرة إلى خارج الوطن، فالمطلوب العمل على طمأنة الشباب اللبناني على مستقبله في وطنه.

 

الانتشار اللبناني: تكريس لبنانية المغتربين والمهاجرين وشد الأواصر معهم، علمًا أنهم كانوا سندًا أساسيًا في معركة الصمود اللبناني.

 

وحدة مكونات “الجبهة اللبنانية”: وحدتها وتماسك جميع مكوناتها أساسي في هذه المرحلة، مع التذكير أنه لولا هذه الوحدة لما تم الانتصار في معركة الصمود اللبناني، ولن يتم ضرب الكيان اللبناني إلا إذا تم ضرب الجبهة اللبنانية من الداخل وتفكيكها.

 

المرحلة القادمة: لا بد من استكمال تحرير كامل تراب الوطن من كل وجود مسلّح واستعادة السيادة الوطنية الكاملة، وضبط الوجود الأجنبي على كامل الأراضي اللبنانية حتى داخل ما يسمى بالمخيمات الفلسطينية، ولا بد من إبراز الصيغة الجديدة التعددية في المجتمع اللبناني، والنظر بحذر شديد إلى تملك الأجانب في لبنان، وعلى “الجبهة اللبنانية” متابعة هذا الملف متابعة جدية.

 

بنتيجة المداولات أصدرت “الجبهة” وثيقة وقعها قادتها الأربعة، تلاها النائب إدوار حنين وجاء فيها:

 

– التشديد على السهر على لبنان والمحافظة عليه وتحرير جميع أراضيه.

 

– إصلاح النظام السياسي القائم على ميثاق 1943 واستبداله بنظام لا مركزي بحيث تستطيع كل مجموعة طائفية معالجة شؤونها الخاصة، لا سيما التربوية منها والمالية والأمنية.

 

– العزم على العمل لتوزيع الفلسطينيين المقيمين في لبنان على البلدان العربية.

 

– إبداء بعض التحفظات على توغل القوات السورية في المناطق المسيحية.

 

 

 

رفض إسلامي للوثيقة

 

مقررات الخلوة فسرها خصومها بأنها الخطوة الأولى في طريق الألف ميل باتجاه تقسيم لبنان وإنشاء دولة مسيحية فيه، فما إن أنهت الإذاعات نقل وقائع المؤتمر الصحافي الختامي للخلوة، حتى بدأت ردود الفعل المنددة في بيروت الغربية، فرئيس الحكومة سليم الحص أشار إلى أنه مع اللامركزية الإدارية الموسعة، وضد أي بحث في اللامركزية السياسية، لأنها نوع من أنواع التقسيم، كما انتقد المقررات “التجمع الإسلامي” و”الحركة الوطنية”.

 

في اليوم التالي لانتهاء أعمال الخلوة الاثنين 24 كانون الثاني 1977، بدأت القوات السورية العاملة في “قوات الردع العربية” فجأة توسيع انتشارها داخل المنطقة الشرقية، التي أضربت بناء لدعوة القيادة الموحدة للقوات اللبنانية، فيما توجه أعضاء “الجبهة اللبنانية” للقاء الرئيس الياس سركيس لإطلاعه أولًا على نتائج الخلوة واستيضاحه حقيقة الانتشار السوري الجديد.

 

بعد لقاء قصر بعبدا، أعلن الرئيس كميل شمعون باسم “الجبهة اللبنانية” أن القوات السورية ليست قوات احتلال، ولتأكيد حسن نية “الجبهة” سيتم تسليم جميع المرافئ الواقعة في المنطقة الشرقية لقوات “الردع” لتضع فيها نقاط حراسة.

 

لدى الاستفسار من أعضاء الجبهة عن هذا الموقف، كان الرد أنهم نزلوا عند رغبة رئيس الجمهورية بالتهدئة متكفلًا بمعالجة كل الأمور المشكو منها، لا سيما قصة الانتشار السوري الجديد. ولمعالجة الإشكالات التي رافقت الانتشار العسكري السوري في المنطقة الشرقية، وصل إلى بيروت العقيد السوري محمد الخولي واستقبله على المطار كريم بقرادوني.

 

فور وصوله زار الرئيس سليمان فرنجية في منزله في النقاش، وعقد لقاء معه بحضور عدد من أعضاء الجبهة الوطنية.

 

عاد الموفد السوري وزار الرئيس كميل شمعون في منزله في الأشرفية، والشيخ بيار الجميل في البيت المركزي الكتائبي في الصيفي، وكان توضيح من المسؤول السوري لما حصل وإصرار من أركان “الجبهة اللبنانية” على تنفيذ اتفاق القاهرة، والتشديد على متانة العلاقة بين سوريا والجبهة اللبنانية.

 

يصف الأستاذ جوزف أبو خليل تلك المرحلة بالقول: لقد ظنت دمشق أن المسيحيين سيرحبون بالقوات السورية في مناطقهم بصفتها قوات حليفة على الأقل، وخصوصًا أنها جاءت تردع الجهات التي تخاصمهم وتحاربهم. فأقل واجب التحالف والالتقاء في المصالح، أن تنفتح المناطق المسيحية على القوات السورية لا أن تنغلق عليها، لكن المسيحيين وجدوا مشقة كبرى في رؤية القوات السورية تدخل مناطقهم وتقيم الحواجز الأمنية وتفتش المارة والسيارات وتسأل عن الهويات. فما بينهم وبين سوريا من حذر قديم وعتيق لا يزول في يوم أو يومين، فضلًا عن أن نظرة المسيحيين إلى العسكر السوري، نظرة تعال موروثة من أيام تعاملهم مع الفعلة والعمال السوريين الذين كانوا يفدون بالمئات والألوف للعمل في لبنان وخصوصًا في أملاك المسيحيين وأرزاقهم وأراضيهم الزراعية. ومنهم من كان يتندر، ساخرًا أن هذا الجندي أو ذاك كان عاملًا لديه أو خادمًا، إضافة إلى أنه ربما كان بين العسكر السوري من سبق له أن كان عاملًا في أملاك المسيحيين، فأحس بالحاجة إلى تأكيد ذاته أمام مخدوميه سابقًا، أو وجد الفرصة مؤاتية لتأكيد كرامته الشخصية أو للثأر لهذه الكرامة التي قد تكون مسّت في يوم من الأيام. هكذا انتشرت القوات السورية داخل المناطق المسيحية، ودخل معها أكثر من سبب لكي تصطدم بأهل هذه المناطق وتصبح أقرب إلى جيش احتلال.

Exit mobile version