Site icon IMLebanon

الرئيس برسم التوافق الخارجي؟

 

 

من الطبيعي أن تحتدم أجواء المعركة الرئاسية كلما إقترب موعد جلسة الأربعاء الإنتخابية، لأن بارومتر الخلافات والتنافسات بلغ أعلى المستويات، بعد عمليات فرز المواقف لمختلف الكتل النيابية، بإستثناء طبعاً بعض التغييريين، الذين ما زالوا يبحثون في جنس الملائكة، وشكل كوكب الأرض مسطحاً أم كروياً!

ورغم أن الجميع يدرك بأن دخان الرئيس العتيد لن يخرج من جلسة الأربعاء، إلا أن التراشق بالإتهامات بلغ حد الزبى، وبما يتجاوز حدود الإختلاف السياسي بين أطراف نظام ديموقراطي وتعددي، مثل النظام اللبناني.

بالنسبة لجلسة الإنتخاب، وما أدراك ما وراء أكمة الإنتخابات، فهي تأتي في سياق الأجندة المحددة من عواصم القرار المتابعة للوضع اللبناني، والتي أبلغت الأطراف السياسية أن إنهاء الشغور الرئاسي يجب أن يتم خلال شهري حزيران وتموز كحد أقصى، وإلاّ فالأزمة في لبنان مرشحة للتمدد حتى أواخر العام الحالي على الأقل.

وليس ما يوحي بأن الجلسة المقبلة ستكون حاسمة، رغم حماوة التراشق السياسي بين فريقيْ المرشحيْن سليمان فرنجية وجهاد أزعور، لأن كلا الطرفين ليس ضامناً الحصول على ٦٥ صوتاً في الدورة الأولى للتصويت، على إعتبار أنه سيتم تطيير النصاب للحؤول دون إجراء الدورة الثانية، كما جرت العادة في الجلسات السابقة.

ويمكن لهذا السيناريو أن يبقى أسير المراوحة القاتلة عدة جلسات أخرى، في حال إستمرار أساليب المعاندة والمكابرة، وعدم وجود الإرادة للخروج من الطريق المسدود، إلى رحاب الحوار والتوافق على مرشح ثالث، لا يشكل تحدياً لأحد، ويحصل على أوسع تأييد ممكن، في إطار تسوية تشمل رئاسة الحكومة وتشكيلها، وبرنامج الأولويات الذي سيُعتمد في مسار الإصلاح والإنقاذ.

لبنان محكوم بمراعاة قواعد المعادلة الوطنية الدقيقة، والتي تقوم أساساً على التوافق في المفاصل الوطنية الأساسية، وعدم قدرة أحد الفرقاء على فرض خياراته على شركائه في الوطن.

وليس دقيقاً الكلام أن العماد ميشال عون وصل إلى بعبدا كمرشح لحزب الله وحده. الطريق إلى الرئاسة فُتحت أمام عون بعد إتفاق معراب مع القوات، والذي كرّس تأييداً مسيحياً وازناً لجنرال الرابية. ومع ذلك لم يكن كافياً ترشيح الحزب، لأكثر من سنة ونصف السنة، وتأييد القوات لحوالي سنة أخرى، لوصول العماد إلى سدة الرئاسة، حيث كان انضمام الرئيس سعد الحريري، وما كان يُمثل مع كتلته النيابية الأكبر في مجلس النواب في تلك الفترة، هو العامل الحاسم في تأمين الأكثرية لإنتخاب عون رئيساً للجمهورية.

وبالتالي، فإن أي مرشح للرئاسة الأولى يحتاج إلى مثل تلك «التوليفة» التي تجمع الأطياف الرئيسية، وهو الأمر غير المتوفر حالياً في جلسة الأربعاء ، حيث يحتاج المرشح فرنجية إلى الصوت المسيحي الوازن، ويفتقد المرشح أزعور إلى الصوت الشيعي المحصور بالثنائي المؤيد لرئيس تيار المردة.

هذا التعادل السلبي يفترض إعادة تنشيط قنوات الحوار بين الأطراف المتنافسة، للتوصل إلى صيغة متوازنة، لا يكون فيها طرف مُنتصر وآخر مُنكسر، بل يكون البلد هو الرابح إستقراره وأمنه أولاً وأخيراً، بعيداً عن لغة التهديد والوعيد والتخوين السائدة في وسائل التواصل الإجتماعي، والتي من شأنها أن تؤجج مناخات التوتر والتشنج، وتزيد الخلافات تعقيداً، وتُشعل نيران الفتن الطائفية والمناطقية، التي تأكل الأخضر واليابس.

أما الحديث عن خريطة سياسية جديدة في البلد، على خلفية المواقف التي ظهرت في اليومين الماضيين، فمازال مبكراً الكلام حوله، حتى تتبلور التغيرات الطارئة على تموضعات صلبة، ويظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الخيارات النهائية لقوى حزبية وازنة، مثل الحزب التقدمي الإشتراكي وكتلته النيابية، والتيار الوطني الحر الذي يتعرض لضغوطات كبيرة، قد تؤثر على وحدة مجموعته النيابية.

ولكن ثمة مفارقة في الوضع السياسي اللبناني تُحيّر الكثير من المراقبين، وخاصة الديبلوماسيين، وتطرح العديد من التساؤلات:

= هل يعجز أهل السياسة في لبنان عن اللحاق بركب التفاهمات الإقليمية الناشطة في المنطقة؟

{ ولماذا يتصرفون وكأنهم مازالوا في مرحلة صراعات المحاور المحمومة، والتي كان لبنان إحدى ساحاتها المتوهجة بالإضطرابات والإغتيالات والإنهيارات؟

{ ولمصلحة مَن بقاء هذا البلد المنكوب يتدحرج في مهاوي الإزمات المتناسلة، ومقومات الدولة تتفكك وتتلاشى بشكل دراماتيكي مُحزن، أوصلنا إلى درك الدول الفاشلة؟

عندما كانت الصراعات المشتعلة في المنطقة، قيل لنا أن لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه، وبالتالي لا بد إلا أن يصيبه لهب النيران المتأججة حوله.

ولكن ماذا يمكن أن يقولوا اليوم عندما يتخلف البلد عن اللحاق بمسيرة التفاهمات المتقدمة في الإقليم، بعد اتفاق بكين بين السعودية وإيران، الذي أشاع سلسلة إنفراجات في أزمات المنطقة المعقدة والمزمنة، وفي مقدمتها اليمن وسوريا؟

يبدو أن الفشل الداخلي في التوافق على الرئيس العتيد، قد ترك المجال واسعاً لتوافق القوى الخارجية، على فرض خيار رئاسي محدد، على السياسيين اللبنانيين المنهزمين أمام خلافاتهم وأنانياتهم، وما سيلحق بهم من عقوبات دولية موجعة!

ما بعد الأربعاء ١٤ حزيران، ليس كما قبله، في الروزنامة الخارجية، فهل من يعتبر ؟