Site icon IMLebanon

الاستقالات من الوظيفة العامة لم تبدأ (فعلـياً) بعد

 

 

حتى الآن، لا يعكس عدد الاستقالات من وظائف القطاع العام المخاوف من شغور «غير مسبوق» في المؤسسات والإدارات العامة.

 

المُعطيات تظهر أنّ الحديث عن «تسرّب» الموظفين والعاملين في القطاع العام يكاد ينحصر في صفوف العسكريين، «حيث تشير التقديرات إلى هروب نحو ستة آلاف عسكري»، على ما يقول مندوب وزارة المال في رابطة موظفي الإدارة العامة وليد الشعار، لافتاً إلى أن إجراءات اتخذت أخيراً بحق العسكريين هي التي «تردع الآلاف غيرهم». أما الاستقالات في بقية الوظائف فلا تزال «محدودة» بسبب المادة 78 من قانون موازنة عام 2019 التي حظرت الاستقالة حتى تاريخ 30/7/2022، «لذلك، يمتنع عدد كبير من الموظفين عن تقديم استقالتهم كي لا يخسروا تعويضاتهم. إلا أنه من المتوقع أن نشهد استقالات بالجملة بعد هذا التاريخ في حال بقي الوضع على حاله»، علماً أن هناك اقتراح قانون بإلغاء مادة «تجميد الاستقالات» لم يُقر حتى الآن.

وتؤكد رئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي أن عدداً كبيراً من طلبات إنهاء الخدمة مُقدّمة من الفئات المعفاة من أحكام هذه المادة، كالنساء اللواتي يتيح القانون لهن إنهاء خدمتهن بسبب زواجهن، أما طلبات الاستقالة المحالة إلى المجلس من غير هذه الفئات فـ«لا تزال محدودة جدّاً»، خلافاً للمتداول عن موجة استقالات من الوظيفة العامة. وإلى المادة 78، ثمة سبب آخر يحول دون وجود مثل هذه الموجة، وهو أن غالبية موظفي الإدارات العامة يداومون يوماً واحداً في الأسبوع ويتقاضون رواتبهم، «بالتالي ليس من مصلحتهم حالياً خسارة تعويضاتهم في وقت أصبح لديهم وقت لإيجاد وظائف رديفة»، بحسب مصادر مطلعة.

 

10% على الأقل من موظفي الإدارات العامة تركوا وظائفهم بسبب السفر أو بحثاً عن عمل آخر

 

 

يذكر أن ثمة «خاصية» تتيحها القوانين التي ترعى العمل في الإدارات العامة تتعلق بالتقدم بطلبات الاستيداع والوضع خارج الملاك، وهي بمثابة تجميد عمل الموظف لفترة سنة أو أكثر، لا يستفيد خلالها من راتب الوظيفة ويمكنه أن يعمل في مكان آخر مع حفظ حقه في الوظيفة. وتلفت مشموشي إلى أن عدد هذه الطلبات يمكن أن يعكس تأثير الأزمة على طبيعة سير العمل في الإدارات العامة، «لكن لا تقديرات دقيقة لذلك لأن الموافقات النهائية على هذه الطلبات تتطلب إصدار الوزير المعني المراسيم والقرارات اللازمة وإحالتها إلينا. وهذا لا يحصل الآن». وأشارت إلى أنه من الممكن أن تكون نسبة الشغور في الإدارات العامة أعلى مما تفيد به المستندات، «بسبب ترك كثير من الموظفين أعمالهم من دون اتباع الأصول القانونية». وهو ما يؤكده عضو رابطة موظفي الإدارة العامة إبراهيم نحال، مشيراً إلى أن تقديرات الرابطة تفيد بأن 10% على الأقل من موظفي الإدارات العامة تركوا وظائفهم إما بسبب السفر أو بحثاً عن وظيفة أخرى، «وهذه النسب مُرجّحة للارتفاع مع ازدياد الأوضاع المعيشية والاقتصادية سوءاً ما سيدفع مزيداً من الموظفين إلى الهجرة والبحث عن بدائل».

ومعلوم أن الإدارات العامة تعاني من تزايد الشغور منذ ما قبل الأزمة الاقتصادية. وتُشير التقديرات إلى أن نسبة الشغور في الوزارات وصلت قبل الأزمة إلى نحو 50%. فعلى سبيل المثال، هناك 40 وظيفة فئة أولى شاغرة في الوقت الراهن (منها وظيفة مدير عام وزارة المالية) بحسب تقديرات الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين. هذا الشغور عززته عوامل عدة أبرزها قرار تجميد التوظيف الذي نص عليه قانون سلسلة الرتب والرواتب، «ما أدّى إلى عدم إدخال دم جديد للإدارة العامة وتراكم الملفات وجمود العمل الإداري وغيره» وفق نحال.

وإذا كان هذا الواقع يسبق الأزمة، فهو مرجح للتفاقم. فهل يعني ذلك أن الحاجة إلى اقتراح قانون يُجيز التسريح انتفت؟ يجمع غالبية المعنيين في الإدارات العامة على أن هذا القانون يخدم بالدرجة الأولى القطاع العسكري «وهو اقتراح من الممكن أن يحسّن المالية العامة»، وفق الشعار.