ما قاله الأمين العام لـ “حزب اللّه” الشيخ نعيم قاسم لم يكن زلّة لسان ولا موقفًا انفعاليًا، بل إعلان مواجهة صريحًا مع الدولة اللبنانية. فحين يُصوَّر مبدأ حصرية السلاح، وهو جوهر قيام أيّ دولة، على أنه مشروع إسرائيلي أميركي نكون أمام لحظة خطيرة يُقلب فيها معنى السيادة، وتُجرَّم فيها الدولة، ويُمنَح السلاح الخارج عنها صفة الوطنية الحصرية.
هذا الكلام لا يستهدف خصوم “حزب اللّه” السياسيين، بل يطعن مباشرة بشرعية الدولة نفسها. فحصرية السلاح ليست شعارًا مستجدًّا ولا مطلبًا إعلاميًا، بل قرارًا رسميًّا سياديًّا اتخذه مجلس الوزراء اللبناني في جلستيه المنعقدتين في 5 و 7 آب، حيث ثُبّت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وكُلِّف الجيش اللبناني بالانتشار على كامل الأراضي اللبنانية وحفظ الأمن وبسط سلطة الدولة دون أي استثناء أو التباس.
وقد أكّد رئيس الجمهورية، بالفم الملآن، أن القرار اتُخذ وانتهى، وأن البحث لا يدور حول المبدأ بل حول توقيت التنفيذ المرتبط بالظروف. لكن ما صدر اليوم عن الشيخ نعيم قاسم لا يتعلّق بالتوقيت، بل ينسف المبدأ نفسه، ويصنفه كمؤامرة خارجية. وهذا، سياسيًا ودستوريًا، انقلاب واضح على قرارات الحكومة اللبنانية وعلى السلطة التنفيذية التي يُفترض أن “حزب اللّه” شريك فيها وملتزم بقراراتها.
حين يُصوَّر قرار حكومي سيادي كمشروع إسرائيلي أميركي، فنحن لا نكون أمام اختلاف في الرأي أو نقاش ديمقراطي، بل أمام رفض علنيّ لسلطة الدولة، وضرب مباشر لهيبة مجلس الوزراء، وتشكيك صريح بالمؤسسات الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني الذي أُوكلت إليه رسميًا مهمّة بسط الأمن وحماية البلاد. الطعن بالجيش ليس تفصيلًا، بل رسالة واضحة: لا دولة مقبولة إذا كانت تملك قرارها.
وهنا، تنتقل المواجهة من “حزب اللّه” إلى الدولة نفسها. أين الحكومة؟ وأين رئيسها؟ كيف يمكن لحكومة أن تجتمع، وتُقرّ قرارات سياديّة، وتكلّف الجيش بمهامه، ثمّ تصمت عندما يُتَهَم هذا القرار بالخيانة؟ كيف يمكن لرئيس حكومة أن يختبئ خلف سياسة التهدئة فيما قرارات حكومته تُسقَط علنًا من قبل طرف مشارك فيها؟
الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل تفريطًا بالسيادة. والمجاملة لم تعد حكمة، بل تنازلًا عن هيبة الدولة. فالدولة التي لا تدافع عن قراراتها، ولا تحمي جيشها، ولا تردّ على من يشكّك بشرعيتها، تتحوّل إلى دولة شكلية، تُدار من خارج مؤسساتها، ويُفرَغ دستورها من مضمونه.
أمّا محاولة تصوير حصرية السلاح كاستهداف لفئة وازنة من اللبنانيين، فهي تضليل متعمّد يهدف إلى تخويف الداخل وشلّ الدولة. الجيش اللبناني ليس طرفًا سياسيًا ولا مشروع فتنة، بل المؤسسة الوطنية الجامعة. وأيّ سلاح يرفض أن يكون تحت سلطته هو سلاح يرفض الدولة نفسها، مهما غُلِّف بخطاب المقاومة والتحرير.
لبنان لم ينهر لأنه طالب بحصرية السلاح، بل لأنه تأخر في تنفيذها. انهار لأن منطق التسويات غلب منطق الدولة، ولأن القرار السيادي أُجِّل مرارًا، حتى بات البعض يعتقد أنه غير ملزم. والنتيجة واضحة، اقتصاد مدمَّر، مؤسسات مشلولة، وشعب يدفع ثمن ازدواجية السلطة.
لبنان اليوم فعلًا أمام مفصل تاريخي، لكن ليس كما يُسوَّق له. المفاضلة الحقيقية ليست بين “المقاومة” و “إسرائيل”، بل بين الدولة واللادولة، بين سلطة واحدة وقرار واحد، أو استمرار الفوضى المقنعة بالشعارات.
ما قيل اليوم ليس موقفًا سياسيًا، بل تمرّدًا على قرار الحكومة. ومن يرفض قرارات 5 و 7 آب، يرفض عمليًا سلطة الدولة. الدولة أمام لحظة الحقيقة.
إمّا أن تردّ وتحمي جيشها وقراراتها، وإمّا أن تعترف، بالصمت، أن السلاح قرّر أن يحكم بدلها. لبنان لا يبنى بالانتظار ولا يدار بالترهيب ولا ينقذ إلّا عندما تكون الدولة هي السلطة الوحيدة على أرضها.
