Site icon IMLebanon

ناس للإعمار وناس للدمار

 

 

يتصرّف «حزب الله» وكأن الحرب انتهت، ويريد أن تسري وقائع إنكاره للواقع على الدولة ككل. ويريد من الجيش اللبناني أن يفتح النار في جنوب الليطاني نيابةً عنه، وأن يحتفظ بسلاحه في بقية المناطق. الأمور لا تقف عند هذا الحد، فهو غاضب لأن الدولة لم تبدأ بورشة الإعمار بعد. وبرأي «الحزب»، تمتلك خزينة الدولة وفرًا لا بأس به لبدء ورشة الإعمار، وبعض أصواته قالت بقدرة اللبنانيين وحدهم على تحمّل كلفة الإعمار حتى لو تأخرت أو تمنعت الدول المانحة عن تقديم المساعدات المطلوبة.

 

لنترك جانبًا تهديد نعيم قاسم بـ «حرب إسناد إيران»، وما قدّمه هذا التهديد من هدية مجانية لإسرائيل، ولنطرح السؤال الآتي: هل على اللبنانيين، بالتساوي، أن يتحمّلوا كلفة إعمار ما تسبّب «الحزب» في دماره؟ أرقام هذه الكلفة غير معروفة، لأن المعطيات تدلّ على المزيد من الدمار والخراب، فالحرب لم تنتهِ بعد. ولنفترض أن الحرب وضعت أوزارها بعد شهر أو سنة، فكيف يجب أن تتعامل الدولة مع خطة إعادة الإعمار؟

 

لماذا على معظم اللبنانيين، بعد أن دفعوا ضريبة تدمير المؤسسات على مدى عشرات السنوات، وتهجير أبنائهم إلى أصقاع الأرض، ووصم لبنان كدولة إرهاب وفساد، أن يعوّضوا خسائر مغامرات ومقامرات فصيل من «الحرس الثوري» الإيراني؟ من الواضح أن شريحة واسعة، وعلى مدى سنوات، التزمت أكثر من غيرها بدفع موجباتها نحو الخزينة، بينما، وبفعل «فائض القوة» وهيمنة السلاح غير الشرعي، احتمت فئات معيّنة بهذا السلاح لتأخذ من الدولة ولا تعطيها ما يتوجّب عليها أسوةً بغيرها من اللبنانيين.

 

هناك مال إيراني وفير دخل من خارج النظام المصرفي الشرعي، وبالتالي على «الجمهورية الإسلامية»، قبل غيرها، أن تتحمّل الجزء الأكبر من كلفة إعادة الإعمار، وأن يدخل هذا المال عبر الدولة اللبنانية ليتوزع التعويض بشكل عادل، فالخسائر شملت كل اللبنانيين وكل المناطق، وإن بأشكال مختلفة.

 

كل التقديرات تشير إلى أن «الثنائي الشيعي» سيبقى على قوّته في الانتخابات النيابية المقبلة، وبالتالي على «البيئة» التي ستعيد إنتاج هذا «الثنائي»، رغم ما حصل من كوارث، ألّا تفصل بين التبعات السياسية لخياراتها والارتداد المالي عليها بسبب هذه الخيارات.

 

في قانون «الفجوة المالية» المختلف عليه، ثمة مسلّمة بضرورة «توزيع الخسائر»، والخلاف يقوم على نسب التوزيع بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين. هيمنة السلاح غير الشرعي طوال عقود كانت لها اليد الطولى في الانهيار الاقتصادي ومنع قيام دولة فعلية، وإذا منحت «البيئة» أكثريتها لـ «الثنائي الشيعي» في الانتخابات، كما هو مرجّح، فثمّة «فجوة» ستنشأ، وعلى الدولة أن تعيد «توزيع المسؤوليات» المالية لإعادة الإعمار وفق منطق تراتبي في المسؤوليات.

 

ومقابل الأطراف الأربعة لـ «الفجوة المالية»، هناك ثلاثية «تسديد فجوة كلفة إعادة الإعمار»، وتتألّف من: الدولة، والدول المانحة، و «بيئة الثنائي». ثمة «لامركزية إدارية ومالية موسّعة» مُسبقة يجب أن تسري في مسألة إعادة الإعمار، بحيث لا تكون المعادلة «ناس للإعمار وناس للدمار». وفي هذه «اللامركزية» ليس من المنطق والعدل أن تتساوى فيها مسؤوليات الأطراف الثلاثة. والتوزيع الجيّد يضع في الأولوية الدول المانحة، ثم الدولة، ثم «بيئة الثنائي».

 

على أن مشاركة اللبنانيين الذين تضرّروا من مغامرة «حزب الله» يجب أن يكون تكليفهم من خلال الدولة بالنسبة الأقل. الحكومة وافقت في جلستها الأخيرة على «منهجية إعادة الإعمار»، وجاء في البند الرابع من المنهجية: «بحسب توافر الأموال، سواء من مصادر خارجية أو داخلية، يُصار إلى تحريك المبالغ اللازمة لتغطية التدخلات الممكنة ضمن حجم التمويل المتاح».

 

تنتظرنا كارثة مالية ومأزق سياسي إذا سارت «فجوة إعادة الإعمار» على طريق «الفجوة المالية».

 

Exit mobile version