فرضت «طاولة روما 1» قراءة جديدة لـ «صيغة الإطار» التي تمّ التوصل اليها في 26 حزيران الماضي على «طاولة واشنطن 5»، بحيث أنّ الدخول في مناقشة بنودها الـ 14 ستشكّل مناسبة لتصويب الأداء من الجانبين. ولما انتهت مرحلة التردّد اللبنانية، ظهرت التحوّلات الأميركية التي قادت إسرائيل إلى خطوات مماثلة. وهو أمر يصيب أهداف الوثيقة «السامية» من جانبي الراعي الأميركي والقبول الإسرائيلي، بالخروج من الأراضي اللبنانية. وهذه بعض المؤشرات والدلائل.
تراجعت مراجع سياسية وديبلوماسية عن مخاوف تولّدت لديها منذ ان أطلقت «طاولة واشنطن 5» ما سُمّيت «صيغة الإطار» في نهاية جولتها الاستثنائية في وزارة الخارجية الأميركية ما بين 23 و26 حزيران الماضي ضمناً. ذلك انّ بعضاً منها سقط لمجرد أن شرحت الإدارة الاميركية تفاصيلها على مستوى وزارتي الخارجية والحرب الأميركيتين. وهو ما ترجمه وزير الخارجية ماركو روبيو، من خلال الحملة الديبلوماسية التي أطلقها ومعه سفيراه في كل من بيروت وتل أبيب ميشال عيسى ومايك هاكابي، من أجل توضيح بعض البنود الغامضة التي سمحت بإطلاق مجموعة من الملاحظات المتناقضة بأكثريتها السطحية والعميقة في آن. كما تلك التي لا وجود لتفسير واضح لها، نسبة إلى حجم مطلقيها وأدوارهم. وهي خطوات تزامنت مع ما أنجزه فريق عسكري أميركي يقوده قائد المنطقة الوسطى الأميركية الأدميرال براد كوبر ومساعدوه من ضباطه الكبار، يرأسه قائد لجنة «الميكانيزم» الجنرال جوزف كليرفيلد في جولاته المكوكية بين القيادتين العسكرية في بيروت وتل أبيب.
وعند دخول هذه المراجع في التفاصيل، توقفت في قراءتها العميقة والمنطقية، أمام مجموعة المواقف الأميركية، ولا سيما منها تلك التي قدّمها السفير عيسى في أولى جولاته على المسؤولين اللبنانيين، والتي استهلها الخميس الماضي بزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون، قبل زيارة كل من رئيسي مجلس النواب والحكومة. وقد نجح في وضع الامور في نصابها، لمجرد التأكيد أنّ ما تضمّنته «صيغة الإطار» هي «عناوين مبدئية» كان يمكن إبقاؤها من ضمن التعبير عن «النيات الإيجابية» التي يمكن ان تشكّل قاعدة لحوار مستفيض يتناول كل بند على حدة، بكل ما يحويه من تفاصيل تستدعي التفاهم على خطوات تنفيذية دقيقة جداً في شكلها ومضمونها ونتائجها العملية.
ولذلك، أضافت المراجع عينها، انّ هذه المواقف رسمت السقوف المحدودة لبعض التصريحات، اياً كانت نسبة حدّتها وما حملته من اتهامات، والتي لا يمكن الأخذ بها من خارج نطاق المناكفات الداخلية الضيّقة لسبب بسيط يكمن في تجاهل أصحابها عن قصد او غير قصد، وربما بعضها ينمّ عن جهل واضح لخلفياتها والظروف التي أدّت إلى صياغتها كما جاءت في الصيغة. وهو أمر فرض على هذه المراجع إجراء تصنيف دقيق بين تلك التي ساقتها بعض «الوجوه المؤثرة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي و«البرودكاست» ومجموعات «الواتس آب»، التي أطلقها مسؤولو «حزب الله»، بما يعبّر عن وجهتي نظر متمايزتين من ضمن تركيبة «الثنائي الشيعي» بوجوهه السياسية والحزبية كما الدينية والروحية.
وإلى هذه الملاحظات الدقيقة، وما رافقها من تصنيف معقّد لأصحاب المواقف، والذي لا يتسع له المقال، فإنّ من المفترض، أن يتراجع البعض عن بعض الاتهامات القاسية التي لا يمكن «تفسيرها»، بعدما تناولت افكاراً وخطوات لم يتطرّق إليها المفاوضون بعد على أي من الطاولات المتتالية، قبل انعقاد طاولة روما أمس، وصولاً إلى اعتبارها من «أولى خطوات العبور» إلى ترجمة بنود «صيغة الإطار» التي لم يكن ممكناً الوصول إلى أفضل منها، في ظل موازين القوى وما انتهت اليه حروب «الإلهاء والإسناد» لغزة و«الثأر» للمرشد الإيراني الأعلى، وما بينهما من «المغامرات الحربية» التي استدرجت أعمال التجريف والتدمير بعد سقوط المدن والقرى وما حوته من إنفاق ومظاهر مسلحة، ادّعت إسرائيل باكتشافها في منازل ومؤسسات تجارية، عدا عن النية التي لم تخضع لأي نقاش بوجود قرار بهدم وجرف مدن وقرى لها رمزيتها في تاريخ النزاع مع الحزب وقادته، وخصوصاً انّ الاحتلال تقدّم إلى مكان لم يكن محتسباً إلى أن بلغ تخوم النبطية وصور وتلة «علي الطاهر» التي ما زالت الأسئلة مطروحة حول الظروف التي دفعت الإدارة الأميركية إلى ممارسة أقصى الضغوط لمنع الوصول اليها لأسباب يمكن التثبت من دقتها بعد التداول بروايات عدة يجري التدقيق فيها.
وبناءً على كل ما تقدّم، استطردت المراجع لتنوّه بما تحقق أمس وقبله على «طاولة روما 1»، بما يوحي بدخول المراحل التنفيذية لصيغة الإطار التي من شأنها أن تنهي عدداً من الملاحظات ومواقف التشكيك بما حققه هذا المسار، في ظل الفشل المتمادي على «مسار إسلام آباد» خصوصاً على مستوى التفاهم على إطلاق «المناطق التجريبية» في الأيام المقبلة، بطريقة تجمع مناطق متقاربة جغرافياً لتجمع قرى متجاورة محتلة وغير محتلة في آن وبتوقيت متزامن، كما أصرّ الجانب اللبناني على الجانب الأميركي الذي تفهّم مطالبه بطريقة توحي أنّ الخطوات التنفيذية ستكون في عهدة القادة العسكريين الذين غابوا عن الطاولة في روما، بما يترجم ما انتهى اليه الضباط الأميركيون الذين تولّوا المفاوضات مع نظرائهم من الطرفين. وهي عملية ستجري بالتوازي مع الجهة التي ستتثبت من سلامة التنفيذ وصحته في الجانبين اللبناني والإسرائيلي. وسط معلومات أولية قالت إنّ وحدات من مراقبي الهدنة في الجنوب أو من وحدات «اليونيفيل» المنتشرة في المنطقة التي ستجري فيها عملية التسليم والتسلّم، ستساهم بالمراقبة إلى جانب المراقبين الأميركيين الجدد الذين سيواكبون هذه المراحل، بهدف إنهاء الاحتلال وعودة الاهالي بلا أي لقاء مباشر بين أي جندي لبناني وآخر إسرائيلي.
وختاماً، يبقى الرهان قائماً وبقوة على دور أميركي متشدّد وإيجابي، بدأت مؤشراته تظهر إلى العلن قبل ايام على القمة المقرّرة بين الرئيسين عون وترامب، بما تضمنه بيان السفارة الأميركية في لبنان من حديث عن «محادثات فنية موسعة ستركّز على تنفيذ جميع بنود الإطار الثلاثي، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بين البلدين». في موازاة تأكيدات الرئيس ترامب بقوله إمس «إنّ الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من لبنان سيكون أمراً جيداً».
