Site icon IMLebanon

في عشق سعد الحريري…

 

لا شكّ أنّ لدى سعد الحريري جمهوراً من المحبّين الصادقين من طراز الـ«بلا ولا شي بحبّك». كثيرون ممّن هم اليوم في منتصف العمر في لبنان تعرّفوا إلى السّياسة بعد زلزال الرابع عشر من شباط عام 2005 وما تلاه من أحداث لا تزال تداعياتها مستمرّة إلى اليوم. سعد الحريري دخل السياسة إثر اغتيال والده مُرغماً، وشاخ وشاب مبكراً بعد أن نكّل به القريب قبل البعيد، قبل أن يعتزل في إمارات محمّد بن زايد، حيث السياسة ممنوعة مطلقاً عن قوم المقيمين، ذهبيّين كانوا أو تَنَكاً. لكن الحريري يعود إلى السياسة كل سنة مرّة ليطلّ على بعض من محبّيه، فلا تكفي الساعات القليلة التي يقضيها في بيروت للقاء كل طالبي اللقاء، إذ يبدو أن على قائمة الانتظار أشخاصاً ينتظرون بضع دقائق مع الحريري منذ أكثر من عشر سنوات. طبعاً ليس كل المنتظرين من المحبّين، فهناك محبّون سابقون يطالبون بمستحقات وظيفية تبخّرت حتّى قبل ودائع النظام المصرفي الذي بناه الحريري الأب. رغم ذلك، الأمل بالحريري لا يتبخّر.قد لا يكون هذا الأمل أملاً بمستقبلٍ وعد به تيّار المستقبل يوم كان واعداً، أو حنيناً إلى زمن جميل لم يكن يوماً. هو أقرب إلى وعي أو خيبة منتصف العمر والتسليم بأن هذا أفضل ما يمكن إدراكه في هذه الحياة. فقد مرّت «جهلة التغيير» وجُرِّب أولاد الـ«17 تشرين»، والاستنتاج كان أنّه «ما إلك إلّا قديمك، جديدك ما بفيدك». فلا أحد يطلب من سعد الحريري المستحيل اليوم أو أن يأتي بعصا سحريّة تُعيد البلاد إلى زمن «الألف وخمسة»، فقط يطلبون منه أن يعود كما هو ليقي البلاد شرّ البديل، من أخيه الأكبر «وجُرّ». وفعلاً، إن لم يكن هناك من تبديلٍ لأسس نظام الحكم في لبنان، فليس هناك من داعٍ لتبديل الأشخاص، وليشيخ الجميع مع الشيخ سعد.
الحب الجيّاش تجاه سعد الحريري الذي يطوف شوارع بيروت في هذه الأيام، ليس فقط نتيجة العقم في الحياة السياسية في لبنان والعالم العربي، فكثيرون يرون فيه معاناتهم في العقدين الماضيين. تلقّى اللبنانيون الكثير من الصفعات، لكن كذلك فعل سعد الحريري وإن كان بعضها من صنعه. فبعد اغتيال والده وانتدابه رأس حربة «ثورة 14» الملوّنة، وجد نفسه كبش محرقة «ثورة 17»، مطعوناً بالظهر من كل رفاق الثورة الأولى. جاء ذلك بعد أن أنهكه المتسلّقون والمقاولون الذين ورثهم عن أبيه، ما دفع بمموليه إلى وقف الدعم غير المشروط عنه كونه بات عبئاً بلا مردود سياسي يبرّر النفقات. وإن لم يكن قطع أوكسيجين التمويل عن الحريري كافياً، شكرته مملكة محمد بن سلمان على سنوات خدمته لها باستضافة «ريتز كارلتونيّة» خمس نجوم في بيته في جدّة، كما روت إحدى الشاهدات الطاعنات بظهر الحريري. أضف إلى ذلك مشكلات عائلية على الميراث وأخرى صحّية مع العمر، ويصبح مدى التعاطف الشعبي مع الحريري مفهوماً، بل بديهياً حتّى.
لكن كلّ ذلك لا يغيّر من سرياليّة المشهد البيروتي اليوم في ظلّ كلّ ما يحصل في منطقتنا. مسيرات سيّارة وموسيقى تصدح احتفالاً بعودة الحريري المؤقتة إلى «الوسط». ها هو ينفض الغبار عن «الوسط التجاري» في بيروت بعد أن كاد ينافس دبي بخلوّه من السياسة. لكن ليس من الحب والعشق للحريري ما يكفي للتخلّص من خمول السياسة. السياسة والتجارة في العالم اليوم تقف رهن مجريات الحرب في غزة. وجهة السياسة والتجارة في بيروت هي الأخرى رهن نتائج الحرب، وكل تحرّك دولي يمرّ ببيروت عينه على جنوبنا وقلبه وحبه وعشقه مع المحتلّ. مسار تيّار المستقبل تحدّده جبهات القتال. فإمّا نرتضي خيبات منتصف العمر قدراً مؤبّداً، وإمّا يكتب لنا ولمنطقتنا عمر جديد.