Site icon IMLebanon

حكومة العهد الأخيرة

 

يُخطئ الرئيس سعد الحريري إذا ظَنّ انّ تكليفه سيحصل بسلاسة، وانّ تأليفه سَهل التحَقّق بسبب الأزمة المالية، لأنّ العهد لن يتساهل تحت أي عنوان مع حكومة يعتبرها حكومة العهد الأخيرة.

دخل ولاية الرئيس ميشال عون الرئاسية في 31 تشرين الأول في السنة الخامسة من رئاسة لم يتبقّ منها سوى سنتين، ويتركّز فيها تفكير العهد على مسألتين أساسيتين: الحَد من خسائر الأزمة المالية والانتفاضة الشعبية وغياب الثقة الداخلية والخارجية والسعي إلى تغيير الصورة وتحسين الوضع، والمسألة الثانية تتعلق بمرحلة ما بعد العهد ضمن حَدّين: حَد ضمان إيصال رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل إلى القصر الجمهوري، على رغم استحالة هذا الهدف بعد 17 تشرين الأول، وحَد ضمان عدم وصول رئيس للجمهورية مُعادٍ او خصم للخط العوني.

 

وتِبعاً لما تقدّم، لا يمكن للعهد ان يتساهل مع حكومة يعتبر بأنها قد تكون الأخيرة في عهده، ولا يضمن الجهد الذي ستقوم به للخروج من الأزمة وإنقاذ صورته أمام الرأي العام، كما لا يضمن تحوّلها إلى منصة متقدمة في الانتخابات الرئاسية أكانت مبكّرة أم في موعدها في خريف العام 2022، خصوصاً في ظل التقاطع الثلاثي بين «المستقبل» و»أمل» و«الإشتراكي» على تَوجّه رئاسي مشترك، وعلاقته الفاترة مع «حزب الله»، والمقطوعة مع «القوات اللبنانية». وبالتالي، يريد حكومة يرتاح إليها ويُمسِك بمفاصلها أكثر من اي حكومة سابقة في عهده.

 

فالثلث المعطِّل الذي كان يصرّ العهد بأن يكون من حصته وحده، سيتمسّك أكثر فأكثر به في اي حكومة مُرتقبة لكونها قد تكون الأخيرة في عهده، ولن يسمح بتمرير اي شيء من دون موافقته، وأي إنجاز سيضعه في خانته، وأولويته إنقاذ نفسه لا إنقاذ البلد، بل يعتبر انّ بمجرد إنقاذ نفسه يكون قد أنقذ البلد. وبالتالي، سيكون في موقع المتشدد لا المتساهل، لأنّ الوقت يمر بسرعة وهو مأزوم ويبحث عن مخرج وانتصار وفوز، ما يعني انّ التشكيل سيكون صعباً ومعقّداً، ولن يفرج عن الحكومة إلّا بعد ان يتأكد من قيادته لها وقدرته على تعطيلها متى وجدَ أنها ستتحول الى أداة ضده.

 

وفي موازاة تَشَدّد العهد لاعتبارات سلطوية تتعلق بوضعه وصورته والتهيئة لِمن سيخلفه، فإنّ «حزب الله» سيكون بدوره في موقع المتشدد لا المتساهل، إنما لاعتبارات مختلفة عن العهد وتتعلق بسلاحه ودوره في مرحلة يُعاد فيها رَسم معالم المنطقة وهَندستها على أسس جديدة، ما يعني انه لن يفرِّط بعناصر قوته وإمساكه بمفاصل السلطة وقدرته على تعطيل الحكومة عند أيّ منعطف بسلاح الفيتو أقلّه، كونه يخشى من أي قرارات تحت ستار الأزمة المالية تؤدي إلى محاصرته وتقييد حركته.

 

صحيح انّ «الحزب» يريد التخلُّص من الأزمة المالية التي تشكل خطراً على مشروعه وتُفقِده إحدى أوراقه الأساسية المتمثّلة بالدولة وتطرق باب بيئته بقوة، ومن هذا المنطلق يرفض تكرار تجربة حكومة اللون الواحد، ولا يُمانع بحكومة اختصاصيين، ولكن شرط أن يسمّي الوزراء الشيعة من اجل ان يتحكّم بقرارهم في ايّ قرار او خطوة وصولاً إلى الطلب منهم رفع سلاح الفيتو في وجه اي توجّه يتعارَض مع توجهاته.

 

فالحكومة العتيدة ستكون من أكثر الحكومات المَمسوكة من قبل العهد والحزب للأسباب المُشار إليها أعلاه، بين فريق ينظر إليها كآخر حكومات عهده ويريدها كاسحة ألغام لِمَطبّاته وتعويضية لنَكساته، وفريق يخشى من ان تكون تأسيسية لمرحلة جديدة تواكب الهندسة التي يعمل عليها للمنطقة وفي المنطقة. وما لم يتمكّن الرئيس الفرنسي من انتزاعه من هذين الفريقين، لن يتمكن غيره من انتزاعه، فلن تَتشكّل اي حكومة خارج تأثيرهما، وسَيّان بالنسبة إليهما أكان الوزراء حزبيين ام اختصاصيين، لأنّ المهم مصدر قرارهما، وهو بعبدا وحارة حريك. وأيّ حكومة من هذا القبيل لن تقوم أساساً بأيّ إصلاح، ولن تحظى بأي مساعدة خارجية، وسيكون مصيرها الفشل.

 

والخيار الأفضل في هذه الحالة يتمَثّل في تَرك هذا الفريق يتدبّر أمره، لأنه يقدِّم أولويته على أولوية الوطن، وحساباته تفوق اي حسابات أخرى، ويستحيل ان يتنازل في سبيل تشكيل حكومة لا تأثير له فيها وعليها وتكون قادرة على إنجاز الإصلاحات وجَلب المساعدات. وبالتالي، أين المصلحة في تغطيته والشراكة معه؟ فليشكّل الحكومة التي تناسبه، وعندما يقتنع انّ إدارته ستقود البلد إلى «جهنّم» ويقرر الابتعاد تاركاً لغيره مهمة الإنقاذ، يكون لكل حادث حديث، ولكن قبل ذلك لا طائل من أي محاولة مَحكوم عليها بالفشل.

 

والكلام عن فرصة يجب التقاطها هو كلام في غير محله، لأنه لا يوجد أي فرصة جدية. فعَلاوة على توفير الغطاء لهذا المشروع، فإنه لن يشكّل حالة إنقاذية، إنما الفرصة الحقيقية الوحيدة المتاحة تتمثّل في رفض التعاون معه وتَخْييره بين رَفع يده عن السلطة او الترَبّع عليها وحده متحمّلاً مسؤولية ما سيجرّه على لبنان من ويلات وكوارث، علماً أنّ البلد للجميع لا لطرف واحد، والمصلحة بإنقاذه إمّا تكون مشتركة او لا تكون، لا سيما انّ سقوط الهيكل لن يستثني أحداً، والتسويات غير المتوازنة بحجّة الإنقاذ لا تقدّم ولا تؤخّر، ولن تخترق الجدار العربي والدولي الذي يشترط مقابل أيّ مساعدة للبنان ان يكون «حزب الله» خارج الحكومة التي عليها محاصرته بالخطوات الإصلاحية.

 

ويجب ان تكون التجربة منذ العام 2005 قد عَلّمت البعض أنّ النهج التَسوَوي، الذي يصوِّر أصحابه بالحريصين أكثر من غيرهم على البلد ويدفعهم إلى تنازلات متواصلة، كانت نتائجه في كل المرات سلبية وعكسية للغاية، وليس من المصلحة إطلاقاً مواصلة هذا النهج الذي يعوِّل عليه الفريق الآخر، ويتعامَل معه كنقطة ضعف لدى خصمه يستطيع في كل مرة ان يدفعه إلى التنازل بما يتناسَب مع مصالحه، فيما رفَض التسوية التي تخدم الناس والبلد هو حَق ديموقراطي، وقد حان الوقت بعد كل هذه المآسي لإفهام هذا الفريق انّ اللعبة انتهت «game over»، فإمّا ان يُسلِّم بشروط البلد والناس، وإمّا ان يتحمّل المسؤولية وحيداً.

 

فإذا كان الرئيس الحريري يعتقد انّ بإمكانه الإنقاذ في ظل موازين القوى الحالية ونظرة العهد إلى آخر حكوماته، ونظرة الحزب إلى خطورة المرحلة، فهو مخطئ تماماً لأنّ تَشدّد العهد والحزب سيُقابَل بامتناع خارجي عن أي مساعدات للبنان، وأمّا إذا كان هدفه ان يضع التكليف في جيبه من أجل ان يربط مع المرحلة الجديدة التي ستَلي الانتخابات الأميركية من موقع الرئيس المكلّف على غرار انتخاب العماد عون عشيّة الانتخابات الأميركية السابقة، فإنه سيخرج الخميس المقبل رئيساً مكلّفاً، ولكن التكليف لا يعني التأليف طبعاً.