Site icon IMLebanon

الضغط السعودي كشف هشاشة السياسات المتبعة: انفراج السيولة آتٍ

 

رغم الهدوء الذي وفّره الانفراج السياسي، لا تزال رواسب الأزمة السياسية تضغط على السوق بسبب ما أدّت إليه من نقص حادّ في السيولة بالليرة اللبنانية. فمنذ يوم الجمعة الماضي، عادت فائدة الإنتربنك إلى الارتفاع إلى 75%، قبل أن تنخفض في اليومين الماضيين إلى 40%، وسط ارتفاع احتمالات الانفراج اعتباراً من الخميس المقبل بسبب استحقاقات سندات الخزينة بالليرة قيمتها 2800 مليار ليرة خلال الشهر الجاري، تحمل منها المصارف 1500 مليار ليرة

مع كل استحقاق للودائع المجمّدة تعود فائدة الإنتربنك (فائدة الاقتراض من يوم ليوم بين المصارف) إلى الارتفاع، في مؤشر واضح على نقص السيولة بالليرة لدى المصارف. فمنذ اندلاع الأزمة السياسية الأخيرة في 4 تشرين الثاني الماضي مع إعلان الرئيس سعد الحريري استقالته واحتجازه في السعودية، شهدت هذه الفائدة ارتفاعاً صاروخياً، ووصلت في عزّ الأزمة إلى أكثر من 120%.

 

نتج الارتفاع من وجود طلب على الدولار، إذ إن أصحاب الودائع المجمّدة بالليرة التي يستحق أجلها كانوا يريدون تحويلها إلى الدولار، كخطوة أولى قبل سحبها من لبنان في حال تحوّل الأزمة إلى نزاع غير سياسي. الطلب على الدولار قابله طلب على الليرة، في وقت كانت فيه المصارف قد وظّفت الجزء الأكبر من سيولتها بالليرة في الهندسات المالية التي نفذها مصرف لبنان على دفعتين بين 2016 و2017. أدى ذلك إلى اقتراض المصارف التي تعاني نقصاً في السيولة من تلك التي تمتلك سيولة إضافية، فارتفعت فائدة الإنتربنك لتتماهى مع استحقاقات الودائع التي يحوّل قسم منها إلى الدولار ربطاً بتقلبات الأوضاع السياسية.

استمرّ هذا المنحى إلى حدّ أن عدداً من المصارف خالف التعاميم التي تنظم مراكز القطع العملانية بسبب نقص السيولة، ما أدّى إلى تراكم النقص والمخالفات. وما زاد من وتيرة الأزمة أن مصرف لبنان لم يمدّ المصارف بالسيولة الفورية بالليرة حتى لا يموّل الطلب على الدولار الذي يستنزف احتياطاته بالعملات الأجنبية، بل عمد إلى تقنين السيولة في السوق من خلال عمليات محدّدة. فعلى سبيل المثال، طلب من المصارف التي كانت لديها ودائع لدى مصرف لبنان تستحق بالدولار، أن تجدّد الودائع مقابل مدّها بالسيولة بقيمة مماثلة لقيمة الودائع. وباع لمصارف أخرى سندات يوروبوندز وقبض منها الثمن بسندات خزينة بالليرة بهدف رفعها من حالة المخالفة في مراكز القطع العملانية.

 

 

تحمل المصارف

سندات بقيمة 1300 مليار ليرة تستحق بين غد و18 الجاري

 

إلا أن هذه الإجراءات لم تكف لتخفيف نقص السيولة بالليرة. فعادت فائدة الإنتربنك إلى الارتفاع لتبلغ 75% الجمعة الماضي بعدما كانت قد تراجعت قبل أسبوع إلى 8%. وسجّلت في اليومين الماضيين 40%. لكن المصارف بدأت تشعر بتراجع وتيرة الضغط بسبب الطلب المتدني على الدولار الناتج من الهدوء السياسي الملحوظ في اليومين الأخيرين. كذلك تبيّن أن المصارف تنتظر بفارغ الصبر استحقاقات سندات الخزينة خلال هذا الشهر، ما سيؤدي إلى ارتفاع سيولتها بالليرة وصولاً إلى تعويم السوق بشكل كافٍ في منتصف الشهر. فبحسب مصادر مطلعة، هناك استحقاقات لسندات خزينة بقيمة 2800 مليار ليرة، تحمل المصارف منها 1500 مليار ليرة، ومصرف لبنان 700 مليار ليرة ومؤسسات عامة (الضمان الاجتماعي) وغيرها نحو 800 مليار. وبالنسبة الى المصارف، تستحق غداً سندات تحملها بقيمة 300 مليار ليرة، وهناك استحقاق ثانٍ في 18 الجاري تحمل منه المصارف 1000 مليار ليرة.

عملياً، لن تجدّد المصارف الاكتتاب في هذه السندات للحصول على السيولة، أي أنها ستقبض ثمن السندات والفوائد المتراكمة، لتحسين مستويات السيولة بالليرة لديها، ما سيؤدي إلى تعويم السوق بالليرة خلال أسبوعين. وقد لا تلجأ المصارف إلى تسييل كل محفظة السندات هذه إذا تبيّن أن هناك انفراجاً سياسياً واسعاً يلغي الحاجة إلى كل هذه السيولة. وفي المقابل، سيكتتب مصرف لبنان في السندات التي ترفض المصارف تجديد الاكتتاب فيها وسيدفع للدولة قيمة السندات المكتتب فيها لتدفع هي للمصارف.

يبقى أن المشكلة الأساسية تكمن في المؤشرات السلبية التي سرّعت الأزمة السياسية ظهورها. إذ ثبت أن لبنان يحتاج إلى مستوى مرتفع من نموّ الودائع للاستمرار في تغذية النموذج النقدي القائم على استقطاب التدفقات الرأسمالية بالدولار (ودائع، استثمارات أجنبية مباشرة، تحويلات مغتربين…) من الخارج لتصل الى القطاع المصرفي، ثم تحويلها إلى الليرة لتستفيد من فائدة باهظة قبل أن يمتصّ مصرف لبنان الدولارات ويضعها كاحتياطات بالعملات الأجنبية في ميزانيته. هذا المسار يخلق ما يسمى «الثقة» التي تغذي استقطاب التدفقات الرأسمالية بالدولار، وبالتالي إن النموذج يغذي نفسه بنفسه، وأي خرق فيه يؤدي إلى كارثة. والسؤال اليوم بين الخبراء يتعلق بمدى قابلية هذا النموذج على الاستمرار، إذ إن بعضهم يعتقد أن النموذج شارف على النهاية وأنه بات ضرورياً البحث عن مخرج ينقذ الجميع من المأزق، ولا سيما أن الأزمة الأخيرة أظهرت مدى هشاشة هذا النموذج، وكشفت عن الضعف الذي أصاب قدرته على الممانعة والمقاومة للصدمات بعد سنوات طويلة. وأبرز مثال في هذا الإطار، ارتفاع أسعار الفائدة التي ستكون لها انعكاسات خطيرة على الدين العام، فكيف سيكون الحال مع خروج ودائع من لبنان بقيمة 3.2 مليارات دولار بسبب هذه الأزمة؟ التصعيد السعودي لم يحدث وجعاً، لكنه كشف عن العورة الأساسية في بنية النظام التي كنّا سنصل إليها في وقت أبعد. ومن المفارقات أن التصعيد السعودي وضع هذه العورة تحت المجهر قبل أن تنفجر.