Site icon IMLebanon

حتى لا تسقط ورقة التوت…

 

بعدما تمّت عرقلة تشكيل الحكومة لأكثر من تسعة أشهر، بحجج وأسباب مختلفة، بعضها كان معروفاً والبعض الآخر اختلق في اللحظة الاخيرة لتعطيل في نفس يعقوب، دقت الساعة الخفية واستحضرت مفاتيح الحل، وتحوّل ما كان مستحيلاً بالأمس الى تسوية مقبولة، وحلت العقد الواحدة تلو الأخرى وكأن شيئاً لم يكن، وكأن البلد لم يدفع الى شفير الانهيار الاقتصادي والمالي من دون ان يرف جفن للمعطلين، وكأن الفرص لم تهدر لإبقاء لبنان ضمن حلقة المراوحة الفارغة التي لم تفرغ المؤسسات فحسب، بل جرّدت الدولة من مصداقيتها الدولية وهيبتها الداخلية، بل وكأن إيقاع الدولة ومؤسساتها بات مضبوطا حسب مصالح فريق دون غيره بما يخدم أجنداته الخاصة ومصالحه العليا!

كل ذلك لا يعني الإمعان بالتشاؤم وبجلد النفس، بل اثبتت التجربة في السياسة اللبنانية ان التعامل مع الأمر الواقع هو السبيل الوحيد لإحداث بعض الخطوات نحو الأمام، خاصة ان الملفات التي تنتظر الحكومة العتيدة مثقلة بالتحديات على مختلف المستويات.

على الصعيد الداخلي مع انعكاسات قوية على العلاقة مع الخارج، يحتل ملفا الاستراتيجية الدفاعية ومكافحة الفساد أهم نقطتي ارتكاز للمرحلة المقبلة، والتي على ضوئها إمّا يتجاوز الوطن الصغير محنه، أو سيبقى أسير المواقف والأجندات الخارجية. فالملف الاول يحتل أهمية خاصة اليوم، مع تصاعد وتيرة التهديدات الاسرائيلية على لبنان كدولة بما أن حزب الله بات جزءًا من هذه الدولة، في وقت يقود الرئيس الاميركي مواجهة مع ايران مع كل التهوّر والتطرّف الذي يسمح ترامب لنفسه الوصول إليه، ومع كل أوراق الاعتماد التي قدّمها في السابق وسيقدمها في المستقبل لدولة العدو الصهيوني. وهنا أهمية الاستراتيجية الدفاعية وتوحيد الرؤية الداخلية في هذا الملف، حيث لا يمكن لأحد ان ينفي عن لبنان حقه في الدفاع عن نفسه وعن سيادته، شرط ان يكون عبر سلاح شرعي حيث قرار السلم والحرب يكون ضمن المؤسسات الرسمية يحدّده الشركاء الفعليون في الوطن، وليس الصوريين. هي مرحلة متقدمة من فك الارتباط مع الخارج، ولكن لا مفر منها، وحبذا لو تتم بأقل خسائر على الوطن الصغير وشعبه المعذب!

أما الملف الملح الثاني والذي يتناول الفساد، فهو يشكل تحدياً كبيراً لطبقة سياسية بات القاصي والداني يعرف مدى تورطها بالفساد، حيث لم تعد لا الصفقات ولا الأرقام  سراً، بل على العكس كل شيء مكشوف في ظل غياب المحاسبة وانعدام قدرة الأجهزة المولجة بهذا الملف والتي باتت مكبلة بالطائفية، فشرّع الفساد عبر تغطيته بالمحاصصة، واستبيحت مقدرات الدولة وثروات الوطن.. هي رحلة طويلة وشاقة وتتطلب نوايا جدية من قبل الطبقة السياسية وإلا فهي تحكم على لبنان بالسقوط في هاوية الإفلاس في وقت تتجه أنظار العالم عليه حتى تفرج عن أموال سيدر، مما سيفتح الطريق لاستعادة الثقة الدولية بمؤسسات لبنان وجدوى تقديم المزيد من الدعم المالي الذي ممكن أن يأخذ طريقه الصحيح نحو المشاريع الإصلاحية والإنمائية وليس الى السمسرات والجيوب التي أمعنت النهب وإفقار الشعب والدولة في آن!

تحديات عديدة أخرى تنتظر حداً أدنى من التناغم في حكومة التناقضات لتجاوز هذه المرحلة الحرجة إقليمياً، دولياً وبالطبع داخلياً. يأتي موضوع اللاجئين في أعلى القائمة، إضافة الى ملفات حياتية هي أكثر من مُعيبة ان تكون موضوع أخذ ورد حتى اليوم ولم تعالج بعد سنوات طويلة وأموال طائلة نهبت باسمها، مثل الكهرباء والنفايات والبنى التحتية وما الى ذلك من حاجات اكثر من ماسة!

الحكومة الجديدة الى النور وهي بارقة أمل ولو كان معظم اللبنانيين على يقين بأن الإنجازات المتوقعة ليست بالكبيرة، ولكن ربما اليد السحرية التي أطلقت سراحها تطلق سراح المشاريع التنموية وتشارك ببناء الدولة كما يجب دون فرق إذا كانت عبر كلمة سر خارجية، أو صحوة ضمير داخلية!