Site icon IMLebanon

هرمز الذي يحكم لبنان!

 

 

استحال مضيق هرمز معياراً يُقاس به ميزان القوّة العالمي. فمَن يسيطر على هذا الشريان الذي يمرّ عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وفق تقديرات وكالة الطاقة الأميركية، يمتلك ورقة ضغط استراتيجية تتجاوز حدود الخليج لتطال الاقتصاد الدولي وأمن الطاقة العالمي. بذلك، بات مستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط يرتبط، إلى حدّ كبير، بقدرة واشنطن على ضمان سيطرتها العسكرية والسياسية على هذا المضيق الحيوي.

بَنَت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، استراتيجيّتها الإقليمية على ثلاث ركائز رئيسية: حماية تدفّق الطاقة، ضمان أمن حلفائها الخليجيّين، ومنع القوى المنافسة من فرض نفوذها في المنطقة. وكان مضيق هرمز نقطة الارتكاز التي تلتقي عندها هذه الأهداف جميعاً. لم يكن هدف وجود الأسطول الأميركي الخامس في البحرين، وشبكة القواعد العسكرية الممتدة من قطر إلى الإمارات والكويت، الدفاع عن دول الخليج فحسب، بل حماية النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.

 

تواجه هذه المعادلة تحدّيات غير مسبوقة. لم تعُد إيران تعتمد فقط على قدراتها العسكرية التقليدية، بل بَنَت في العقدَين الأخيرَين استراتيجية ردع غير متماثلة، تقوم على امتلاك القدرة على تهديد الملاحة في المضيق عند الحاجة، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة وشبكة من الحلفاء الإقليميّين. بذلك تحوَّل مضيق هرمز ساحة توازن ردع أكثر منه منطقة سيطرة مطلقة لأي طرف.

 

ستكون لأي تراجع في قدرة الولايات المتحدة على فرض حرّية الملاحة أو احتواء التهديدات الإيرانية، تداعيات تتجاوز الخليج. سياسياً، سيُنظر إليه كدليل على تآكل المظلّة الأمنية الأميركية، الأمر الذي سيدفع دولاً عربية وازنة إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. بدأت بوادر هذا التحوُّل تظهر بالفعل في السنوات الأخيرة، إذ اتجهت عواصم خليجية إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية، وعدم الاعتماد حصراً على واشنطن.

 

في المقابل، سيمنح هذا الواقع إيران مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي. هي تنظر إلى نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، باعتباره منظومة أمن قومي متكاملة، لا مجرّد تحالفات سياسية. ومتى شعرت بأنّ الولايات المتحدة فقدت جزءاً من قدرتها على الردع، ستسعى إلى تثبيت هذا النفوذ بصورة أكثر جرأة، سواء عبر أدواتها العسكرية أو من خلال تعزيز حضور حلفائها في المعادلات الداخلية للدول العربية.

 

لكنّ الربط بين تراجع النفوذ الأميركي وتعزيز نفوذ إيران لا يعني بالضرورة عودة المنطقة إلى مرحلة الهيمنة الإيرانية الكاملة. فالدول العربية نفسها باتت أكثر استقلالية في قراراتها، وتسعى إلى بناء منظومات أمنية متعدِّدة الشركاء، كما أنّ إسرائيل أصبحت لاعباً إقليمياً أساسياً، يمتلك قدرة مستقلة على التأثير في معادلات الردع، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً من مجرّد معادلة أميركية – إيرانية.

 

في المقابل، تبدو الصين المستفيد الاستراتيجي الأكبر من أي تراجع أميركي. هي لا تسعى إلى الحلول محل واشنطن عسكرياً، بل تعتمد نموذجاً مختلفاً يقوم على الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية. من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، تحوَّلت منطقة الخليج إلى إحدى أهم العقد اللوجستية للمصالح الصينية. لذلك قد يدفع أي اهتزاز في الثقة بالدور الأميركي، دول المنطقة، إلى توسيع تعاونها مع الصين في مجالات التجارة والطاقة كما في التكنولوجيا والاتصالات والاستثمار، وقريباً في بعض المجالات الأمنية.

 

بذلك، لم تعُد المنافسة الحقيقية بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل بين نموذجَين لإدارة النظام الإقليمي. الأول تقوده واشنطن ويستند إلى القوّة العسكرية والتحالفات الأمنية، والثاني تمثله الصين ويرتكز على المصالح الاقتصادية وتقليل الانخراط في الصراعات السياسية. أمّا إيران، فتسعى إلى استثمار هذه المنافسة لتعزيز موقعها الإقليمي، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي من القوّتَين.

 

في هذا السياق، يبرز «حزب الله» كأحد أهم عناصر القوّة في الاستراتيجية الإيرانية. هو يشكّل جزءاً من منظومة الردع الإقليمية التي تربط الخليج بشرق المتوسط. لكنّ الرابط ليس جغرافياً مباشراً بقدر ما هو تفاوضي. تدير طهران ملفاتها الإقليمية كوحدة تفاوضية واحدة، فينعكس أي تليين أو تشديد أميركي في هرمز على سقف مرونتها في الساحات الأخرى، وفي مقدّمتها ملف سلاح «حزب الله» ولواحقه. تالياً، قد ينعكس أي تحوُّل في ميزان القوى عند مضيق هرمز مباشرةً على موقع الحزب في المعادلة الإقليمية، سواء من حيث دوره العسكري أو السياسي، أو قدرته على التفاوض ضمن أي ترتيبات إقليمية جديدة.

 

هنا يبرز موقع لبنان. أي تراجع أو تقدّم في المفاوضات الأميركية – الإيرانية حول هرمز لا يبقى بعيداً عنه، بل ينعكس مباشرة على سقف التفاوض الداخلي حول سلاح الحزب، وعلى وتيرة وقف الحرب وإعادة الإعمار، بوصفهما أوراقاً ضمن التسوية الإقليمية الأوسع لا مسارات لبنانية منفصلة عنها.

 

في أي حال، لن يتحدَّد مستقبل الشرق الأوسط فقط بما سيجري في مضيق هرمز، بل بآلية إدارة القوى الكبرى التحوُّلات الجارية في النظام الدولي. أصبح المضيق مؤشراً إلى انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة التوازنات المتعدِّدة. وإذا فقدت الولايات المتحدة قدرتها على احتكار أمن هذا الممر، ستشهد المنطقة إعادة رسم تدريجية لخريطة التحالفات، حيث تتقدّم البراغماتية على الاصطفافات التقليدية، وتصبح المصالح الاقتصادية والأمنية أكثر تأثيراً من الولاءات السياسية التاريخية.

Exit mobile version