Site icon IMLebanon

النظام السوري والمعونات الإنسانية… أنا أو لا أحد

 

في موت أحدهم خبز للآخر

 

في الجوار السوري، في شمال شرق الفرات، تشقلبت الأرض «فوقاني تحتاني» وأعمال الإغاثة تجري لكن لا نعرف كيف. لا نعرف بدقّة عدد الخارجين من تحت الركام وعدد من دفنوا تحته إلى أبد الآبدين. لا نعرف حجم الإعانات ولا كيف توزّعت ولا كيف يعيش- وسيعيش- المنكوبون. لا نعرف إلا أنّ بشار الأسد ظهر بعد ثلاث ساعات على النكبة بأسنانٍ ظاهرة وبرودة لافتة. ألا يقال في موت أحدهم خبز للآخر؟ فكيف إذا كان عدد الموتى كبيراً كبيراً؟

 

السوريون طالبوا بإلحاح تحت هاشتاغ: #أوقفوا_العقوبات من أجل إدخال المعونات إلى شعب مات قبل الموت بأعوام. والنظام الذي قتل أطفاله، خلال أعوام وأعوام، يبتسم. نعم، وزارة الخزانة الأميركية قرّرت البارحة إعفاء سوريا من العقوبات لمدة ستة أشهر لجميع المعاملات المتعلّقة بالإستجابة لزلزال العصر. والمعونات بدأت تدخل، فهل سيستفيد منها السوريون المنكوبون؟

 

الإتصالات بين السوريين الناشطين لم تهدأ منذ ثمانين ساعة، ليس من أجل تعداد الضحايا والبكاء على الأشلاء وحسب، بل لتحليل المرحلة المقبلة أيضاً «فسوريا دخلت في مرحلة جديدة مختلفة تماماً عن قبل». الخبير الإقتصادي السوري يونس الكريم، الموجود حالياً في فرنسا، يرى «أن ما يحدث حالياً هو أن المشاهد الأليمة جداً، الواقعية، شتّتت الإنتباه الى المساعي التي بدأ يخطّط لها النظام السوري من أجل تعويم نفسه» ويستطرد بالقول «بعد ثلاث ساعات فقط من «زلزلة الأرض» عقد بشار الأسد لقاء مع الوزراء، مازحهم فيه – على ما تردّد هناك – طالباً من العالم تقديم المعونات الإغاثية. وجد النظام لعبته الجديدة على أرتال الجثث».

 

حصل ذلك في وقتٍ إعتمدت منهجية في انتشال الضحايا لا تعتمد حتّى في بلاد الماو ماو. هناك آلية تقضي بانتشال الأحياء من المباني المتضرّرة أولاً بنسبة عشرين في المئة، ثم خمسين في المئة، ثم التوجّه نحو المباني التي سقطت بالكامل. وهذا ما لم يحصل. في المقابل، لم يصدر أي انتقاد من النظام السوري على النهج الذي اتّبع في تركيا في انتشال الضحايا، في الأماكن التي يغصّ فيها الوجود السوري، في شمال غرب الفرات، وهذا معناه برأي يونس الكريم «أن بشار الأسد إهتمّ أولاً وأخيراً باتصالات الزعماء العرب من أجل تعويم نفسه غير مبالٍ بمصير ملايين السوريين في المناطق المنكوبة. في موازاة ذلك، لم تعر تركيا أيّ اهتمام بمصير السوريين الذين يقطنون في مناطق حدودية تحت سيطرتها واقتصرت الإغاثة من قِبل أفراد وفعلة خير».

 

لن ندخل في عمق الإتفاقات التي يقال إنها تمّت على عجل بعيد الزلزال وجعلت المنطقة مفتوحة على أشكال وأنماط جديدة. نسأل السوريين عن المساعدات التي يقال إنها تصل فيجيبون: هي وضّبت في أقبية النظام ولا يعطى منها إلا النزر القليل. وثمة مواد بدأت تباع في الأسواق المحلية هي تقدمة من دولة الإمارات العربية المتحدة: شاي ومعلّبات وفرش ونسأل أكثر عما تقوم به المعارضة السورية في المناطق المنكوبة فيجيب الخبير الإقتصادي «عقد الإخوان المسلمون البارحة إجتماعاً طرحوا فيه أفكاراً من ضمنها: ماذا عن كيفية الخروج من الأزمة؟ الخروج من الأزمات عادة تُبحث في قلب الأزمات وهذا ما لم- ونتوقع أن لن- يبحث. كما بحثوا مسألة: ماذا حول إعادة مسح الإحتياجات؟».

 

 

متروكون

 

السوريون الآن يكادون يكفرون بالنظام وبالمعارضة في آن. إنهم يشعرون اليوم، بحسب ناشطين سوريين، بقهر يلازمهم أكثر من أي يوم. هناك أربعة معابر سورية رسمية مع تركيا كان يمكن الإستفادة منها في إدخال المساعدات. وهناك حدود غير رسمية مساحتها 906 كيلومترات كان يمكن أن تتحول جميعها معابر للإغاثة. ومعبر باب الهوا يعمل ولا تدخل منه إلا سيارات دفن الموتى، ويتم إدخال المحروقات فيها سرّاً. مناطق المعارضة السورية المنكوبة بحاجة ماسة الى مازوت ومواد غذائية. فمن لم يمت من الناس في الزلزال يموت جوعاً. وجبهة تحرير الشام رفعت أسعار السلع 250 في المئة، وهي لم تتدخل بأعمال الإنقاذ. وبالتالي، بعد أن وجد السوريون أنفسهم متروكين من كل الجهات، لم يعودوا إلا أمام خيارين: تفاقم الغضب أو الإستسلام حدّ اللامبالاة. النقمة شديدة وكلّما مرّ وقت ستشتدّ أكثر لأن حجم الكارثة سيتجلّى أكثر.

 

في كل حال، إستطاع النظام السوري الحصول على استثناء من عقوبات قانون قيصر غير أن المعارضة فشلت في الحصول على إذن من تركيا لدخول المساعدات.

 

يشعر السوريون اليوم أن تركيا لم تعد بلداً آمناً لهم. هناك سوريون يسكنون في تركيا منذ ثلاثين عاماً تُركوا تحت الأنقاض ولم يبال أحد بإخراجهم. هؤلاء ليسوا أولوية تركيا. السوريون فقدوا الأمل والفقير حين يفقد الأمل يتّفق مع الشيطان. هذا ما يتردّد هناك اليوم «إنهم في منطقة بين الكفر والإيمان».

 

فلندخل أكثر في اللبّ. العالم لبّى نداء الإستغاثة فكيف تتمّ وعبر أي قنوات سورية؟

 

نصغي بإمعان الى ناشطين سوريين يتابعون مسار الإعانات التي تصل ويتوقّفون عند أربع نقاط أرادها النظام السوري:

 

أولاً، هو طلب مساعدات عينية ومالية. وجلّ ما يريده هو توفير السلع للأيام المقبلة. فهو يوزّع على الأشخاص في العراء النزر القليل من المساعدات. وهناك مناطق لم يصلها شيء أبداً.

 

ثانياً، هو طلب من منظمات المجتمع المدني أدوات ومعدات تنفع بإعادة الإعمار لا برفع الركام. إنه يحاول بذلك رتي إقتصاده المنهار وتوفير ما قد يعوزه غداً.

 

ثالثاً، هو أصرّ على أن يبرز ثقل العقوبات عليه، التي تمنعه من إغاثة شعبه، مع علمه أن العقوبات الدولية لا تمنع وصول المساعدات. وكلّ همّه هو إعادة تعويم نفسه. همّ النظام السوري ليس إعادة إعمار ما دمّره الزلزال بل ما دمّره هو. فها هو قد انهمك في اليومين الماضيين بهدم المباني القديمة في منطقة الهامة في ريف دمشق بهدف إضافة هذه المباني الى أضرار الزلزال ومطالبة المجتمع الدولي بالمساعدة.

 

رابعاً، هو أصرّ على أن تمرّ المساعدات الإنسانية عبر بوّابة دمشق ليتمكّن من التحكّم وحيداً بها.

 

 

الهلال الأحمر السوري يسرق

 

تتكرّر أسماء جمعيات سورية تقبض اليوم على مسار المساعدات بينها إثنتان: «الهلال الأحمر العربي السوري» التي يرأسها خالد حبوباتي و»الأمانة السورية للتنمية» التي ترأسها أسماء الأسد.

 

كلّما اجتمع سوريّان اليوم يتحدثان عن قبائح إقترفها الهلال الأحمر العربي السوري «حيث فرض النظام عليه إعطاءه حصصاً من المساعدات التي تأتيه، كما تدخّل في توزيع المساعدات عبر مراقبة القوائم وترشيح الأسماء. ولم ينس السوريون أن الهلال الأحمر باع في العام 2015 المساعدات لتجّار الجملة. وفي العام 2016 اتّهم مدير فرعه في اللاذقية مازن حسن بسرقة جثث القتلى وتجارة الأعضاء. وفي العام 2021 صدرت تقارير تتحدث عن أن العاملين فيه يتقاضون رشاوى مالية مقابل تسجيل الأسر في قوائم المساعدات. وفي العام 2022 أصدر معهد نيولاينز الأميركي دراسة تحتوي على وثائق بأن الهلال الأحمر العربي السوري يسرق 80 في المئة من المساعدات النقدية الأممية ويوزّع 20 في المئة على قوائم اسمية تأتي من الفروع الأمنية… فماذا قد يتوقّعون منه أكثر في زلزال 2023؟

 

«الأمانة السورية للتنمية» ليست أفضل حالاً. إنها تنغل اليوم في إطار «الإنسانية» غير أن الاسم الذي يطلق عليها عملياً هو «منظمة السيدة الأولى». وهذا معناه أن النظام عرف كيف يُمسك بالإعانات؟

 

 

من باكستان إلى سوريا

 

نسمع كثيراً عن انطلاق النظام السوري بسرقة الإعانات غير أن هناك من يتحدثون «عمّا هو أبعد من حدود السرقة»: «فالنظام يسعى اليوم بالذات الى تحسين وضعه الإقتصادي والتركيز على تخزين تلك المساعدات، التي ستزيد في الأيام المقبلة، لدعم بقائه. هو سيستفيد منها كما استفاد من مبلغ «الفريش دولار» الذي أجبر السوريين على سداده عند الحدود من أجل إنعاش نفسه. ويذهب هؤلاء أبعد من ذلك للكلام عن أن شيئاً آخر مخيفاً، ينقل عن شهود عيان، وفيه أن مواد لوجستية إيرانية دخلت منذ يومين، عبر معبر بو كمال، تحت خانة مساعدات لوجستية لاستخدامها في إعادة ترميم المعسكرات. المراقبون فقدوا مسار تلك الشاحنات المحمّلة مساعدات إيرانية والتي تحتاج الى 14 ساعة للوصول الى حلب (مع العلم أن المسافة كانت لا تتجاوز قبل الثورة 7 ساعات). رصد تلك الشاحنات جرى عند المعبر لكنها إختفت.

 

كلّ شيء ما إن يدخل حتى يختفي. هكذا هي الأمور اليوم في سوريا في وقتٍ ما زال فيه الضحايا تحت الركام.

 

الزلزال أقلق الجميع. كلّ المنطقة قلقة اليوم من ارتدادات ما قد يحصل خصوصاً أن الزلزال الذي حصل أدّى الى شقّ بحجم ثلاثة أمتار، والهزّات الإرتدادية قد تدوم طويلاً. لكن، في موازاة ذلك، الكلّ يتساءل عن مصير المساعدات ووحده النظام إرتاح. ألم نقل منذ البداية: في موت أحدهم خبز للآخر؟