Site icon IMLebanon

طبول الحرب تقرع… ماذا عن الإحتمالات والسيناريوات؟

 

 

يوم اندلعت حرب تموز 2006 سمعنا: «لو كنت أدري» ويوم انتهت في 14 آب 2006 سمعنا: إنتصرنا. ومنذ ذلك الحين أتى تموز ولحقه آب 16 مرة، ومع كلِّ إحياء للذكرى تهديد جديد بحربٍ جديدة وتمجيد بحربٍ مضت أتت «بالويلاتٍ والبلاوي». فهل نحن مستعدون الى حربٍ من نوع: «أعدكم بالنصرِ دائماً»؟ ما ثبُت تاريخياً أن فاتورة الحروب لا تُدفع في زمن الحرب بل في وقت لاحق. فهل لنا أن نسأل في 14 آب هذا، ونحن نسمع طبول حرب جديدة، عن فاتورة حرب تموز تلك؟

 

لم ننس ذاك النهار من آب، يوم أخبرونا أن حرب تموز قد انتهت، فسارعنا الى «الجنوب المحرر». ويومها لم نرَ لا أخضر ولا يابساَ في قرى وبلدات جنوبية كثيرة. وكأن زلزالاً ضربها عن بكرة أبيها. وعلى الطريق، ونحن سائرون خائبون، قرأنا يافطة صفراء كتب عليها: «سنرفع جسورنا على أكتافنا لتعبروا». يومها ضللنا الطريق وبدلنا خطوط السير مرات ومرات بسبب انقطاع كل الجسور. كانت جباه عناصر الجيش اللبناني تتصبب عرقاً وهم يبنون بأكفهم وسواعدهم جسوراً ترابية على أنقاض الجسور المشلعة. جنودنا دائما يضرسون بينما يأكل غيرهم الحصرم. عشنا يومها جلجلة على الطريق. ودخلنا لأول مرة بنت جبيل ومارون الراس والتقطنا صوراً مؤلمة. لا بيوت ولا بشر والأحياء مقلوبة رأساً على عقب. صالون مطرز بالذهبي فوق خزان مياه ودرج فوق غرفة نوم ومطبخ تحت بوابة. بدَت المناطق جثة… جثثاً… ورماداً. وفي كل ذلك المشهد كنا نسمع (وما زلنا) من يقول: فرمناهم!

 

هزيمة إسرائيل!

 

من الضاحية الجنوبية الى الجنوب وضواحيه كثير كثير من الركام. المجادل وتبنين والشهابية وبئر السلاسل والطيبه وخربة سلم وبرج الشمالي بلدات منكوبة. والبازورية، بلدة أمين عام «حزب الله»، كانت أقل تضرّرا وركامها دون البلدات الأخرى. يومها سقطت كل الجسور، 46 جسراً تفصل بين بيروت والشريط الجنوبي لم يبق منها جسر سليم. كل الجسور دمرت أو تخلخلت وخرجت قضبان الحديد من جوفها كما الإبر المسننة. ولم يُعدنا يومها الى الواقع إلا شعار تكرر: «لبنان الجميل هزم إسرائيل». فهل هذا بالفعل ما حصل؟ بعد 16 عاماً، ونحن نسمع عن طبول حرب تقرع، نعود لنسأل: عن انتصار آب؟

 

العميد المتقاعد أمين حطيط، المحلل العسكري، يقول لنا: «حرب 2006 غيّرت المشهد الإستراتيجي في الأمن والدفاع وأدخلت لبنان في معادلة توازن جديدة، منعت قيام حرب على لبنان طوال 16 عاماً. فها نحن نعيش حالة أمنية غير مسبوقة في الجنوب في تاريخ لبنان منذ العام 2006، في حين كان الأمر مختلفا في تاريخ لبنان، منذ العام 1948 حتى 2006».

 

لبنان انتصر؟ يجيب: «بالتأكيد» ويشرح «يختلف تعريف الإنتصار عند الأفرقاء. فانتصار المهاجم يختلف عن انتصار المدافع. الأخير ينتصر حين يمنع العدو من تحقيق أهدافه، وإسرائيل حددت أهدافها بتفكيك «حزب الله» وتجريده من سلاحه فهزمت حين لم تحقق أهدافها وانتصر هو ببقائه. فالنصر والهزيمة في الحروب كلمتان مطاطيتان لا تحسبان على أساس الخسائر. وبعض الخسائر هو ثمن النصر. إسرائيل خسرت في حرب مات فيها 40 قتيلاً لها وذلك غير مسبوق. في حرب 1967 احتلت ثلاث دول عربية ولم تكن خسائرها كبيرة وكانت تعيش في تلك الفترة داخلياً هادئة آمنة في حين تكبدت في حرب تموز خسائر اقتصادية وخسائر لوجستية».

 

نتذكر ونحن نصغي الى العميد حطيط مقولة: الهزائم أمر عادي، كلنا قد نُهزم، أما النهوض ثانياً فهذا هو الإنتصار. فهل نهضنا؟ هذا هو السؤال. نسأل ونحن نسمع هزائم إسرائيل عن خساراتنا في حرب تموز مقابل 40 إسرائيلياً في الأراضي المحتلة بينهم 18 عربياً، ويقدر عدد جنود العدو الذي ماتوا في تلك الحرب بين 118 و121 فتكرج أمامنا الأرقام «قتل في لبنان بين 1000 و1200 شخص وهناك حوالى 4400 جريح وأكثر من مليون كانوا موقتاً لاجئين. وفي 28 تموز، بين بداية الحرب واختتامها، أعلن وزير الصحة اللبناني آنذاك محمد خليفة أن المستشفيات في لبنان تلقت 401 قتيل لبناني. وذكر أن نحو 200 جثة تحت الأنقاض ولم يتمكن لبنان من سحبها لأن المناطق التي ماتوا فيها لا تزال تحت النيران. ووفقا لمجلس الإنماء والإعمار بلغت الخسائر اللبنانية المتكبدة 3,5 مليارات دولار أميركي وهناك مليار دولار للمباني و1,5 مليار دولار للبنية التحتية. لا يهم. إنتصرنا.

 

إنتصر «حزب الله» في حرب تموز لكن لبنان خسر. ويومها علق وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي: «صورة نصرالله أكبر من لبنان». فـ»حزب الله» تصرف وعمل ليكون أقوى من الدولة وبات يخضع لحسابات إقليمية تتجاوز قدرة لبنان بكثير.

 

نعود الى العميد حطيط. ماذا لو اندلعت الحرب اليوم؟ يجيب: «في النظرية القديمة كانت عملية التوازن هي الردع اما في العملية المقبلة، التي يتحدثون عنها، فأصبحت الحرب شيئاً محتملاً جداً. صحيح هي غير مرجحة لكن محتملة. وفي حال حدوثها هناك احتمالات:

 

أولا، إذا تمّ التوصل الى حلّ للقضية التي قد تتسبب بالحرب مع الوسيط الأميركي لترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان أموس هوكشتاين فهناك احتمال ان تنتهي القصة بدون حرب.

 

ثانيا، إذا لم يقدّم حلّاً واستمرت إسرائيل في عملية التنقيب واستمر لبنان ممنوعاً من ذلك فهناك احتمال ان تتدخل المقاومة بالسلاح. وفي حال دخلت في الحرب هناك ايضاً احتمالان:

 

أولاً، ان تتوقف إسرائيل عن التنقيب ولا ترد على السلاح.

 

ثانياً، ان تردّ إسرائيل على التدخل المسلح بالنار وهنا احتمال ان تتدحرج الأمور الى حالات أسوأ.

 

هناك من بدأ ينعي مساعي هوكشتاين ويقول غادر ولن يعود. فهل هذا معناه ان الحرب حتمية؟ يجيب حطيط: «طلب هوكشتاين بعد اللقاء الثلاثي فترة تتراوح بين ثلاثة أسابيع وخمسة ليعود بالحلّ، غير أن لبنان أصرّ على أن لا تتجاوز المدة الأسابيع الثلاثة. ولم يمض من الوقت إلا عشرة أيام. فلننتظر حتى 25 آب، تاريخ إنتهاء المهلة التي حددها لبنان. أمامنا اسبوعان بعد لنتبين في أي اتجاه نحن سائرون ونقول إذا كنا نتجه الى حرب ام لا. وحتى ذلك الوقت تبقى كل الإحتمالات واردة. ويستطرد بالقول: إذا حدثت الحرب فاحتمال ان تكون في الجنوب إلا إذا قررت إسرائيل ان تجعلها تتمدد. نعرف كيف تبدأ الحرب لكننا لا نعرف كيف تنتهي. وهناك عدة سيناريوات لها. فالردّ الإسرائيلي قد يبقى محدوداً وتتدخل القوى الدولية لإخماد التأزم. أما إذا رفضت إسرائيل ذلك ووسعت ميدان حربها فـ»حزب الله» سيوسع الردّ ليشمل كل فلسطين. حتى الآن تلك الإحتمالية ضعيفة والأرجح ان تبقى محصورة لا ان تتوسع إقليمياً».

 

نحن اليوم، في ذكرى 14 آب، نعيش في ظلّ كل الإحتمالات. كل شيء وارد. وما علينا إلا الإنتظار. اللهمّ أن لا يطلّ من يقول لنا بعد اندلاعها: لو كنت اعلم.

 

في 14 آب أمر آخر لم يغب عن البال. ماذا عن الشريط الحدودي؟ هناك تقع رميش وإبل وعين إبل والقليعة وبلدات أخرى كثيرة لم تُرِدْ منذ 22 عاماً إلا الدولة. رميش عاشت قبل شهر أحد فصول تخاذل الدولة. والشباب، كثير من الشباب، غادروا تلك المناطق الحدودية من زمان. رميش هي من أكبر البلدات المارونية في لبنان، تضم أكثر من إثني عشر ألف نسمة موارنة صرف. فكيف يمكننا أن نقول الى هؤلاء: إرجعوا الى بلداتكم فالأمن مستتب؟ هل نخبرهم عن سيناريوات الحرب والفارق بين الإحتمال والمرجح؟ البلدات الشيعية الحدودية تعاني ايضاً. كل اللبنانيين «بالهوا سوا». والحرب، إذا اندلعت، مسرحها سيكون الجنوب أولاً.

 

نعود 16 عاماً الى الوراء. يومها كان المشهد في الجنوب واحداً: البؤس كان عاماً. وكان السؤال: ماذا بعد الرابع عشر من آب 2006؟ اليوم نسأل نفس السؤال: ماذا بعد آب 2022؟ ما الذي سيغلب: لغة الحرب أم لغة اللاحرب؟ العميد أمين حطيط قال نعرف كيف تبدأ الحرب لكن لا نعرف كيف تنتهي. فهل علينا أن نبقى دائما في فوهة الزجاجة غير عالمين بمصير البلاد والعباد؟