Site icon IMLebanon

حافة الهاوية الإيرانية مع الأعداء والأصدقاء

                  

إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية المسيرة من قبل الحرس الثوري الإيراني فجر أمس هو العمل العسكري الأول الذي يخرج عن قاعدة الحرب بالواسطة التي تخوضها طهران مع الولايات المتحدة في منطقة الخليج، في سلسلة الردود التي ينفذها الحرس على الحرب الاقتصادية الأميركية ضده.

 

سواء صح الإعلان الإيراني بأنها أُسقطت بعدما دخلت الأجواء الإيرانية في محافظة هرزمكان المحاذية لمضيق هرمز، ولأن اختراق الحدود “خط أحمر” كما صرح قائد “الحرس الثوري” اللواء حسين سلامي، أم صح التأكيد الأميركي بأنها أسقطت في الأجواء الدولية، فإن هذا التطور يخرج عن السياق الذي طبع الاستهدافات العسكرية الإيرانية في الأسابيع الأخيرة، بزرع ألغام في ناقلات نفط محملة من السعودية والإمارات، أو بإطلاق صواريخ باليستية ضد أهداف مدنية في السعودية مثل مطار أبها، وصولا إلى قصف محطة سعودية لتحلية المياه أمس.

 

إنه اللعب الخطر على حافة الهاوية، بالاستفادة من القرار الأميركي عدم الذهاب إلى الحرب، على رغم أن الجانب الإيراني لا يريدها هو الآخر. لكن بين توجيه الرسائل إلى الداخل الإيراني بقدرة الحكم على الصمود وبقوته في وجه المخاطر التي تتهدد “الأمة”، وبين اعتماد سياسة النفس الطويل قبل التفاوض، وبين إمساك “الحرس” بناصية التفاوض إذا لا بد منه، بدلا من تسليمها لثنائي حسن روحاني محمد جواد ظريف، شعرة قد تسقط مفاعيل المناورات التي تتوخاها المناوشات العسكرية الصغيرة.

 

الإقبال الإيراني على التفاوض تراجع في الأسابيع الماضية لمصلحة اللعب على حافة الهاوية نتيجة عوامل إقليمية ودولية عدة. فطهران هي التي سبق أن طلبت من رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أن يلعب دور الوسيط بينها وبين واشنطن حين زار ظريف طوكيو في 16 أيار (مايو) الماضي، والذي عاد دونالد ترامب ووافق عليه خلال زيارته هو الآخر. في أقل من شهر غيّرت طهران توجهها بطلب الوساطة ووجهت صفعة علنية لآبي حين رفض المرشد علي خامنئي استلام الرسالة التي بعث بها ترامب، على الهواء، في لقاء كان يفترض أن تكون مداولاته بعيدة من الأضواء.

 

ومع أنه قيل في تفسير ذلك إن الجانب الإيراني يعتمد الوساطة السويسرية أكثر من غيرها، فإنه سبق إسقاط الطائرة الأميركية هذا الأسبوع، منحى تصعيدي عبر اقتراب الحرب بالواسطة من العسكريين الأميركيين في العراق، حين تعرضت مواقع عسكرية ونفطية في العراق، يتواجد فيها أميركيون، إلى خمس هجمات صاروخية في مواقع متفرقة، على رغم التأكيدات التي تلقتها واشنطن من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بأن ساحته لن تستخدم في أي استهداف للوجود الأميركي، وبأن “الحشد الشعبي” الذي تأتمر فصائله بقائد قوة القدس قاسم سليماني سيلتزم بذلك. إلا أن مصادر إطلاق تلك الصواريخ شمال بغداد، تدل إلى أن فصيلا شيعيا مواليا لطهران هو من قام بإحدى تلك العمليات على الأقل.

 

في تفسير رفع “الحرس الثوري” درجة التوتر، يمكن القول إن طهران تراهن على سياق للأحداث يمكنها الإفادة منه، وتسابق بتصعيدها جملة استحقاقات تتخوف من لا تأتي في مصلحتها. فهي تدرك أن سعي إدارة ترامب، تحت سقف تجنب الحرب والاكتفاء بالعقوبات، إلى استصدار موقف أممي بحماية الملاحة الدولية وخطوط إمداد النفط عبر مضيق هرمز، بعد استهداف ناقلتي نفط إحداهما يابانية في بحر عمان قبل أسبوع، لن يلقى تجاوبا روسيا وصينيا في مجلس الأمن، وأن ردا أميركيا إحاديا على القوات الإيرانية في مياه الخليج سيكون موضوع نزاع دولي لأن موسكو وبكين ستعتبرانه غير قانوني. وبموقفها من إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة أمس تتسلح بحقها في مواجهة احتمال العمل العسكري الإحادي.

 

أما الاستحقاقات التي تنتظرها، ومن الطبيعي أن تخشى من أن تكون في غير مصلحتها، وسط تشابك التطورات الإقليمية والدولية المعقدة، فإنها لا تقف عن حدود ترقب الاجتماع الثلاثي المنتظر الأحد المقبل بين مستشاري الأمن القومي الأميركي والروسي والإسرائيلي للبحث في التسوية في سورية والوجود الإيراني فيها، لتتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في موقف الحليف الروسي، من إلحاح واشنطن على انسحابها منها. فموسكو سبق لها أن تجاوبت مع طلب ترامب في هذا الصدد في قمة هلسنكي قبل سنة، لكنها فشلت عمليا في الوفاء بوعدها، في وقت لجأت طهران إلى دمج ميليشياتها في قوات النظام، وسحبت البعض الآخر (قوات “فاطميون” الأفغان).

 

الاستحقاق الثاني الذي يدفع طهران إلى التشدد هو اجتماع ترامب المنتظر مع كل من نظيره الصيني شي جينبينغ، والروسي فلاديمير بوتين، حيث يمكن لأي منهما أن يفضي إلى مساومات بين الملفات العديدة المتراكمة من كوريا الشمالية إلى الحرب التجارية، وإيران وسورية …

 

ليس بعيدا من الواقع تصنيف التصعيد الإيراني على أنه موجه أيضا إلى الأصدقاء إضافة إلى الأعداء، طالما أن الخلاف التركي الأميركي حول صفقة صواريخ “إس 400″، يسمح لها بالاعتماد على أنقرة كممر لتفادي العقوبات، ولو جزئيا…