Site icon IMLebanon

حالة البيئة خلال عام… من سيِّئ إلى أسوأ

 

في نهاية عام 2022 تأكدت حالة الانهيار الشاملة في كل القطاعات في لبنان. كما تأكد أن لا أفق لإعادة التعافي أو إعادة التأسيس لمرحلة جديدة يمكن أن تبدأ قريباً. إلا أن ما لم يتأكد أبداً، أن هناك نماذج من التفكير والممارسات والسياسات، كانت وراء الأزمات وحالة الانهيار، تم وضعها في دائرة الشك وضمن إطار التغيير! كلّ ذلك يحصل دون الانتباه إلى أنّ هناك حالة تدهور بنيوية في البيئة لا يمكن أن تعود، أو أن تعوّض، مثل انقراض الأنواع وتلوّث الهواء وكلّ مقوّمات الحياة، ولا سيما التربة والمياه (السطحية والجوفية منها)، بالإضافة إلى استنزاف الموارد وتزايد التمدد العمراني العشوائي.

 

كان المسار التراجعي البيئي قد بدأ في لبنان ما قبل الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية. وقد بلغت التكلفة السنوية للتدهور البيئي عام 2018 حوالي 4.4% من إجمالي الناتج المحلي، أي ما يعادل نحو 2.39 مليار دولار أميركي. وفي السنوات الأخيرة، حصل تدهور شامل على مستوى الخدمات العامة الأساسية، فضلاً عن زيادة في مستويات التلوّث، ومزيد من الاستنزاف في الموارد الطبيعية، وكلّ ذلك ضمن خط انحداري لا أفق له في المدى المنظور، أو ضمن مقاييس السنوات المقبلة.

بالرغم من ذلك، كيف يمكن تقييم ما حصل خلال عام، وأيّ جردة حساب نهاية سنة 2022 يمكن القيام بها على مستوى الملفات التي تتابعها وزارة البيئة؟

 

النفايات

على مدى السنة المنصرمة، كان الملف المتعثر الرقم واحد بسبب الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة وعقود الكنس والجمع والطمر والرمي العشوائي، هو ملف إدارة النفايات المنزلية الصلبة.

تمثل تراجع أداء قطاع النفايات الصلبة بصورة واضحة في التراجع الهائل في مستويات الخدمات، حيث يتم حالياً معالجة أقل من 5% من النفايات المنزلية، ويتم رمي ما يقارب 50% من هذه النفايات في مكبات عشوائية، بينما يُطمر الباقي دون معالجة في مطامر أشبه بالمكبات. وقد تخلّل هذا العام مبادرات فردية للفرز من المصدر بعدما تحسّنت أسعار المواد القابلة لإعادة التصنيع. بالرغم من الحالة الكارثية المذكورة، فُتح باب تمويلي في الأسبوع ما قبل الأخير من نهاية السنة، مع توقيع اتفاقية بين وزير البيئة ومدير دائرة المشرق في البنك الدولي لدعم إدارة النفايات والحدّ من آثارها على الصحة بمنحة قيمتها 8.86 ملايين دولار. وتأتي هذه الاتفاقية ضمن مشروع “الحد من الانبعاثات العضوية الثابتة عبر إدارة النفايات في إطار اقتصاد دائري”، بهدف الحدّ من الانبعاثات الضارّة الناتجة عن الحرق العشوائي للنفايات الصلبة، وتحسين إدارة هذه النفايات على مستوى البلديات بما في ذلك إعادة تدويرها واستخدامها كسماد، والحدّ من تعرّض السكان في شمال وجنوب البلاد للمواد الخطرة.

 

المقالع والكسارات

حول ملف إدارة المقالع والكسارات وشركات الترابة عام 2022، تم عقد 5 جلسات للمجلس الوطني للمقالع، برئاسة وزير البيئة، كان على جدول أعمالها 21 بنداً تضمّنت مختلف أنواع طلبات الترخيص للمقالع والكسارات. مقارنة بجلسة عام 2021 كان فيها خمسة بنود. من بين كلّ المشاريع المقدّمة، حصل 3 منها فقط على موافقات، مع الإشارة إلى التراجع في الطلب على هذا القطاع، مع تراجع أعمال البناء والمشاريع الإنشائية والورش، بسبب جائحة كورونا أولاً والأزمة الاقتصادية بعدها.

أما موضوع إدارة العلاقة مع شركات الترابة، فقد كان نقطة ضعف الوزارة. صحيح أنّها لم تمنح الشركات تراخيص للمقالع كونها غير قانونية وخارج المخطط التوجيهي، ولم تمنحها مهلاً طويلة الأجل كما تطالب، إلا أنّها أعطتها مهلاً محدودة بالكميات والوقت، تحت الضغط والابتزاز برفع أسعار مادة الإسمنت بشكل جنوني، ما شكّل ضغطاً كبيراً على وزارة البيئة شارك فيه كلّ العاملين بهذا القطاع مع وزير الصناعة، الذي كان يضغط دائماً من أجل منح الشركات المهل اللازمة.

صحيح أن وزارة البيئة لم تكتف بإعطاء المهل، وحاولت أن تردّ على الضغوط بإرسال كتاب إلى وزير الصناعة للسماح باستيراد الإسمنت من الخارج ومنع التصدير، إلا أن ذلك لم ينفع، ولا سيما مع إعطاء مهل جديدة. كما تمت مناقشة مشروع القرار المتعلّق بآليات استثمار وتأهيل المقالع، بالإضافة إلى فتح نقاش عميق حول تطوّر متطلبات هذا القطاع وكلفته على البيئة والصحة العامة بالمقارنة مع فتح باب الاستيراد. كما أعلنت وزارة البيئة عن إنهاء طرق احتساب العائدات من القطاع بعد تسلّم مسح الجيش للمواقع، وهي تدرس الآن مع الوزارات المعنية، ولا سيما المالية والعدل والداخلية، كيفية تحصيل عائدات تُقدّر بمليارات الدولارات مستحقة للخزينة.

 

الصيد البري

في ملف الصيد البري، وللسنة الثانية على التوالي، لم يفتتح موسم الصيد البري لعامي 2021 و2022، من أجل تفعيل المحافظة على التنوّع البيولوجي، وأنواع الطيور والحيوانات البرية. وتمّت مراسلة وزارة الداخلية والبلديات ووزارة الزراعة، والطلب منهما التشدد بقمع جميع مخالفات الصيد البري في كلّ المناطق اللبنانية وفي جميع المواسم والأوقات، وذلك من قبل عناصر القوى الأمن الداخلي وحراس الأحراج التابعين لوزارة الزراعة، كونهم المولجين بقمع مخالفات قانون الصيد البري وتنظيم محاضر ضبط بحق المخالفين. كما تم الادّعاء على بعض المخالفين لقرار منع الصيد البري عندما تكون المخالفة موثَّقة مع الإثباتات والبراهين والأسماء.

 

كما نجحت وزارة البيئة في إصدار مراسيم بمشاريع قوانين أحيلت إلى مجلس النواب بإنشاء محميات في جبيل وأنفة البحريتين، واستكمال ملف لإحداث محمية في رأس الشقعة، وإصدار مرسوم بتصنيف حرج كفرحاتا الكورة موقعاً طبيعياً، ومراسيم لآلية إعطاء مساهمات مالية للجان المحميات الطبيعية من موازنة وزارة البيئة ومرسوم لتحديد رسوم الدخول إلى المحميات. بالإضافة إلى قرارات بتعيين لجان للمرة الأولى للمحميات في شاطئ العباسية وجبل حرمون وبيت ليف، وتعيين لجان جديدة في محميات سابقة.

بالرغم من الأزمة الاقتصادية، زادت عمليات التشجير عام 2022 بنسب عالية، وانخفضت أعداد ومساحات الحرائق. وقد أعلن وزير البيئة في نهاية موسم الحرائق عن خفض أكثر من 90% من المساحات المحترقة بالمقارنة مع الأعوام الثلاثة الماضية من خلال الوقاية والرصد المبكر والتدخل السريع. وقد أمضى وزير البيئة هذا العام أوقاتاً طويلة في الأماكن الحسّاسة المعرّضة للحرائق قبل وأثناء وبعد اشتعال النيران، تساوي الأوقات التي أمضاها في الوزارة تقريباً.

 

الأمن الغذائي

كذلك تمّ إصدار القيم الحدية للانبعاثات للمساهمة في التخفيف من تلوّث الهواء الناتج من المصانع وإنتاج الطاقة، واقتراح تعديل قانون لتغطية كلفة إدارة النفايات.

على المستوى الاستراتيجي، نظّمت وزارة البيئة سلسلة ورش عمل تناولت مختلفة المواضيع الشائكة التي طالما تجنّبت الخوض فيها، مثل إعادة النظر في قانون الصيد البري لناحية أن يكون دور الوزارة في حماية الطيور والتنوّع البيولوجي لا تنظيم قتلها. كما تطرّقت إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجية المياه وضرورة منح الأولوية لحماية المصادر وعدالة التوزيع ووقف الهدر في الشبكات، وضبط السرقة من المياه الجوفية ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها… بدلاً من إنشاء السدود السطحية المكلفة وغير الضرورية. كذلك تطرّقت إلى استراتيجية الطاقة، وضرورة ضبط الاستهلاك أولاً والاهتمام بكفاءة الطاقة ودعم الطاقة المتجدّدة. كما فتحت باباً واسعاً لموضوع الأمن الغذائي في ظلّ تغيّر المناخ وحروب المنطقة، مروّجة للعودة إلى النظام الغذائي التقليدي والقديم والزراعات التقليدية الأقل اعتماداً على المياه والأكثر تأقلماً وتكيّفاً مع التغيّرات المناخية.