Site icon IMLebanon

معادلة خفض الموازنة بين ضغط المتطلِّبات وضبط «شوارع» الكُتل السياسية

معادلة خفض الموازنة بين ضغط المتطلِّبات وضبط «شوارع» الكُتل السياسية

القلق لدى مصدر أمني رفيع وجهته الجنوب واحتمال وقوع حرب إسرائيلية على لبنان

 

ضبط الحدود تحت المجهر الدولي… 70٪  بيد الجيش والأبراج البريطانية  تساهم  في السيطرة

 

تميّز رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، بالجرأة حين خرج ليعلن أن هناك مَن يجب أن يُصارح اللبنانيين بحقيقة وضع الدولة المالي، وأن هناك إجراءات موجعة لا بدّ من اتخاذها، متحدثاً عن الحاجة لاقتطاع نسبة من رواتب موظفي الدولة والتقديمات المقدّمة لهم، وهو اعتبر أن القوى السياسية تتجنب مصارحة الناس لأن لا بطولات يسجّلونها في موضوع الموازنة، كما كان الحال في خطة الكهرباء. هذا أمر صحيح، ذلك أن باسيل كشف ما يدور من أفكار في شأن الوصول إلى موازنة متقشفة، هي أحد الشروط الإصلاحية الموضوعة من القيّمين على مؤتمر «سيدر» الذي هو، وفق توصيف بعض المراقبين، «وصاية دولية» لحل الأزمة الاقتصادية، لكنه قد يكون الفرصة الوحيدة المتوفرة للبنان لمنع مخاطر الانهيار الاقتصادي والمالي.

في خارطة الطريق، كانت خطة إصلاح الكهرباء، التي جرى إقرارها في مجلس الوزراء ومجلس النواب، لكن تبقى العِبرة في التنفيذ. لكن ثاني العناوين هو الأجور والرواتب في القطاع العام، حيث يرى خبراء اقتصاديون أنه لا بد من إعادة النظر بأنظمة التقاعد والتي زاد بعضها بنسبة 120% ولا يمكن للاقتصاد اللبناني أن يتحمّلها. ما أن طفى الكلام على السطح حتى تحوّل إلى كرة نار لا يمكن التكهن بما ستفضي إليه من انعكاسات على الشارع، ذلك أن بوادر الاحتجاجات التي سُجّلت من قبل العسكريين المتقاعدين وموظفي الدولة، شكّلت إنذاراً أوّلياً وعيّنة لما يمكن أن تصل إليه الأمور.

فالرهان على قدرة القوى السياسية في ضبط «شوارعها» وبيئاتها الاجتماعية قد لا يكون في محله، لا سيما وأن تلك القوى تسابقت قبل الانتخابات النيابية على خطب ودّهم من خلال إقرار سلسلة الرتب والرواتب، التي على أحقيتها، كانت نوعاً من الرشوة الانتخابية فضلاً عن آلاف التوظيفات خلافاً لقرار وقف التوظيف، حيث ظهر أن مختلف القوى السياسية أقدم عليها بعد إقرار السلسلة من ثغرة «التوظيف الاستثنائي» ولأسباب انتخابية. فالمسألة هنا تتخطى اللعب على وتر الطائفية والمذهبية والعناوين السياسية والاستراتيجية وما شابه من عناوين قد ينقسم حولها اللبنانيون. إنها مسألة تطال لقمة عيش فئة واسعة من اللبنانيين تجمعهم في بوتقة واحدة وتصهرهم، وقادرة على شل مختلف مرافق الدولة، إذا اتّحدت.

أضحت اليوم الأزمة الاقتصادية والكلام عن إمكان خفض الرواتب والتقديمات لموظفي الدولة وانعكاساتها الاجتماعية عنصراً جديداً ضاغطاً على المستوى الأمني، وما يحدد مستواه هو المسار الذي ستسلكه السلطة السياسية الحاكمة تجاه هذا الاستحقاق. يُعبّر مصدر أمني رفيع عن قناعته بقدرة القوى الأمنية على التعامل مع الاحتجاجات في إطارها السلمي، لكنه لا يخفي أن ارتفاع وتيرة الضغط الاجتماعي يتطلب جهداً مضاعفاً من هذه القوى وعديدها، في وقت أن مهمات عدة تلقى على عاتق الأجهزة على مختلف أنواعها، في ظل نقصٍ تعاني منه.

فنجاح مهمة حفظ الأمن، الذي ينعم به لبنان، يُعدّ إنجازاً أساسياً، مع تداعيات أزمة النزوح السوري، والعمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش» والتنظيمات المتشددة في سوريا، والتي تفرض تحدّياتها على مستوى منع تسرّب أي من عناصرها إلى لبنان، وتحريك أي خلايا نائمة في الداخل، تشديد الرقابة على المعابر غير الشرعية على الحدود بين لبنان وسوريا التي يمكن من خلالها التسلل. وستزداد المسؤوليات بعد قرار «المجلس الأعلى للدفاع» الذي قضى بالعمل على إقفال كافة المعابر غير الشرعية  التي يتمّ من خلالها تهريب البشر والبضائع عبر شبكات متخصصة ومهربين محميين. وما لن يُقرّ به المسؤولون اللبنانيون، أو سيحاذرون الحديث عنه، هو أن الحدود تحت المجهر الدولي، وضبطها هو مطلب من المطالب التي على لبنان أن يقوم بها ليس فقط إنفاذاً لشروط «سيدر»، بل التزام منه بمنع الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران و«حزب الله».

الحدود اللبنانية – يقول المصدر الأمني الرفيع – هي بيد الجيش بنسبة 70 في المئة، وقد ساهمت عملية بناء الأبراج، التي تمت بمساهمة بريطانية، في تحقيق هذا الأمر بشكل كبير، لكن لا يزال هناك 30 في المئة خارج سيطرة الجيش الذي سيعمل على استكمال وضع نقاط المراقبة والسيطرة عليها، إلا أن ذلك يحتاج إلى مزيد من القدرات البشرية واللوجستية، في وقت تتجه الدولة الى إجراءات تقشفية.

غير أن تحقيق الأمن، الذي هو العنصر الأهم لضمان الاستقرار الداخلي وتهيئة المناخات المؤاتية لاستثمارات مشاريع ضمن «سيدر» وخارجها، هو عملية مستمرة، ولا يمكن للأجهزة الركون لما تمّ إنجازه والاسترخاء، بل عليها رفع جهوزيتها، على الدوام، لصون هذه الإنجازات سواء على مستوى مكافحة الإرهاب أو على مستوى الأمن عموماً، في وقت يتركز فيه العمل على ملاحقة شبكات الاتجار بالمخدرات بعدما باتت آفة تنتشر بشكل كبير في كثير من الأحياء والمناطق وفي أوساط الشباب والمراهقين.

وإذا كانت المخاوف من انفجار شعبي هي مخاوف مشروعة في حال لم تتدارك السلطة الانزلاق في مواجهة الشارع، فإن القلق الأكبر لدى المصدر الأمني الرفيع تبقى وجهته الجنوب، نظراً إلى حدّة الصراع الإقليمي والمواجهة المفتوحة بين أميركا وإيران، واحتمال وقوع حرب إسرائيلية على لبنان، سيكون ثمنها باهظاً لجهة حجم الدمار الذي يمكن أن تحدثه، وسط شبه يقين بأن أحداً لن يتطوّع، هذه المرة، للمساهمة في عملية إعادة الإعمار كما حصل بعد حرب تموز 2006!.