Site icon IMLebanon

الحكومة قبل الرئاسة؟!

تعطيل المؤسسات مستمر، وسيستمر، حتى إشعار آخر، والمعطّلون يقبضون على الدولة بقوّة «الثنائيّة الشيعيّة»، مع إشارة جديدة مقلقة تسلّلت إلى أسماع اللبنانييّن بالأمس تحت عنوان مواجهة التعطيل «بقوة الناس»، وعلينا أن نتساءل هنا أيّ «قوّة» وأيّ «ناس»؟!

واجه لبنان منذ الحرب الأهليّة مآزق تعطيل كثيرة ابتدعها الاحتلال السوري عبر سياسيين كانوا أداة احتلال استخدمها ببراعة لتعطيل الحياة السياسيّة وشلّ الحكومات وهي ليست المرّة الأولى التي يواجه فيها اللبنانيّون «قضاء وقدر» الاحتلالات، لطالما خشي الاحتلال السوري الحوار بين اللبنانييّن وقتل اغتيالاً كلّ من سعى إلى هذا الحوار وأبدى رغبة به، وقتل كلّ شخص اشتبه بأنّه قناة حوار يتولّى إيصال رسائل «حواريّة»، لكنّنا لم يسبق أن شاهدنا تعطيلاً بقوّة الحوار إلا منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري!

و»التعطيل بقوّة الحوار» بدعة قادت إلى نفس بدعة الاحتلال السوري الذي فرض تعطيل الحكومات اللبنانيّة من داخلها، على الأقلّ منذ العام 1984 حيث تظهّرت وتكرّست هذه البدعة لتصبح لاحقاً أمراً واقعاً فرضه الاحتلال السوري ليقبض على البلاد والعباد…

«التعطيل» مستمرّ، وسيستمرّ، وهدف هذا التعطيل شديد الوضوح، وهو القبض على الرئاسات الثلاث، فمطلب «التفاهم» على تشكيل حكومة، قبل انتخاب رئيس للجمهورية في حدّ ذاته تعطيلٌ للدستور اللبناني وللاستشارات النيابيّة الملزمة، عمليّاً لبنان يعيش أياماً تشبه «قانون طوارىء» يتمّ عبره تعليق العمل بدستور أي بلد وفرض قواعد طوارىء تتحكّم بمصير الأوطان والشعوب، «الثنائيّة الشيعيّة» ـ ونقولها بمنتهى الوضوح ـ خطفت الرئاسات الثلاث وتمعن في تعطيل الدستور اللبناني وشلّ الحياة السياسيّة وهي من «الجقامة» بحيث تتّهم غيرها بالتعطيل فيما هي سطَتْ على الرئاسات الأولى والثالثة بقوة السلاح!!

بمنتهى الوضوح، على اللبنانييّن أن يعوا أن التعطيل مستمرّ حتى وإن تمّ الاتفاق على شخص الرئيس وعلى شكل الحكومة وشخص رئيسها، حتى إشعار آخر هو تغيير الدستور اللبناني، وحتى تحقيق هذا الهدف تعطيل الدستور ورهن تفسيره بشخص واحد سيبقي لبنان على حاله منذ آذار العام 2006، وللمناسبة تمرير حكومة نجيب ميقاتي في العام 2005 بعد استقالة حكومة عمر ميقاتي كان بعد الضغط الدولي على النظام السوري لتشكيل حكومة انتخابات، وتمّ القضاء على كلّ الحياة السياسيّة ببراعة عبر تمرير «التحالف الرباعي» الذي يدفع لبنان ثمنه حتى اليوم وثمن «مسايرة» النائب وليد جنبلاط  ومصالحه الانتخابيّة!

«الثنائيّة الشيعيّة» كرّست «بدعة» حقّها في تسمية شخص رئيس المجلس النيابي تحت عنوان «حقّ الطائفة الشيعيّة» في اختيار من يمثّلها، وسطَتْ على حق «الطائفة المارونيّة» في اختيار من يمثّل المسيحييّن في الرئاسة الأولى، وسطتْ على «حقّ الطائفة السُنيّة» في اختيار ممثلها على رأس الحكومة، ويحدّثونك بعدها عن «النسبيّة» في قانون الانتخابات!!

هذا الوضع المأساوي للشعب اللبناني وللدولة اللبنانيّة سيبقى مكرّساً حتى تمنى «الثنائيّة الشيعيّة» بهزيمة كبرى كالهزائم الكبرى التي مُنيَت بها الطوائف اللبنانيّة خلال الحرب الأهليّة، وهذه الهزيمة الكبرى الآتية عاجلاً أم آجلاً ستضع حداً لحال السطو على الدولة والدستور، وهي مرتبطة ارتباطاً مصيريّاً بمصير الحرب السوريّة وهزيمة إيران في المنطقة، تتصرّف «الثنائيّة الشيعيّة» في لبنان بمنطق «السطو» على الجمهوريّة، ومن يشكّ أو يشكّك في عمليّة السّطو هذه عليه أن يقرأ جيّداً ما بين سطور قرار وزير الماليّة بنقل ملكيّة المشاعات والأملاك الخاصة في جبل لبنان إلى الجمهوريّة اللبنانيّة، السؤال الذي علينا طرحه هنا: «أيّ جمهوريّة»؟!