Site icon IMLebanon

الرئاسات تتسابق مع «الانهيار العظيم»

 

 

على وقع تصفير الآمال المعقودة على صندوق النقد الدولي، ترتسم في الداخل اللبناني، ثلاثة ردود فعل متباينة، يرتكز كل منها على ثلاثة سيناريوهات للتطورات بين وهم التعويم، أو التعديل أو التغيير.

كل المعطيات تشير الى انّ صندوق النقد حسم خياره وأعدّ تقاريره الخاصة التفصيلية عن واقع لبنان المالي والاقتصادي والخسائر المقدّرة، بمعزل عن الجدل الداخلي القائم بين المجلس النيابي والحكومة، وبالتالي فأنّ كل الاجتماعات التي عُقدت وستُعقد، واولها اجتماع وفد لجنة تقصّي الحقائق مع الصندوق، يوم الثلثاء الماضي، لن تغيّر من واقع ارقام الاخير.

 

شرطان سيحكمان توقف المفاوضات او تعليقها، بعد فترة زمنية قصيرة جداً :

ـ الاول، هو قبول اللبنانيين بأرقام الخسائر المالية التي يراها الصندوق واقعية واجماع الداخل عليها.

ـ الثاني، هو الاصلاحات المطلوبة.

 

لماذا يضع الصندوق هذين الشرطين؟ لسبب بسيط جداً: الصندوق لا يهب اموالاً لا قدرة للدولة على سدادها في المدى البعيد. بمعنى آخر مبسّط، أن تسدّد الدولة دين صندوق النقد، اما من خلال عبورها مرحلة العجز اي تخطّي هذه المرحلة، او من خلال العودة الى الاسواق المالية والاستدانة منها، والخطوتان بحسب الفريق العامل على الملف مستحيلتان في ظلّ الوضع المالي القائم .

 

في ظلّ هذه الصورة، وفي ظلّ إقتناع القوى السياسية انّ الاموال المنتظرة من الاخير دونها كلفة شعبية، كما ودونها كلفة سياسية يعرفها الجميع، انكبّ الداخل السياسي على ثلاثة اتجاهات استراتيجية على خط كل من: «بعبدا، عين التينة، والسرايا»، حيث تتسابق الرئاسات الثلاث مع عقارب ساعة الانهيار العظيم، علّ شيئاً ما يوقفها او يفرملها قبل فوات الاوان .

 

فعلى خط بعبدا، رئيس الجمهورية دعا الى طاولة حوار جامعة، في محاولة منه للمّ شمل القوى السياسية حول نبذ الفتنة، وتوحيد الجهود لمواجهة تحدّيات المرحلة. وبالتالي، محاولة تعويم خيار «بيّ الكل» بعدما أسقطه وهشّمه منذ الانتخابات النيابية الأخيرة، خيار «العهد القوي» الذي تبنّاه رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل.

 

وعلى رغم من انّ العنوان هو الفتنة، الّا انّ المضمون هو السعي المتأخّر إلى صورة اجماع وطني حول سيّد القصر، بعدما تحول من جامع الى متهم بالمفرّق، ومن حَكَم الى مشتبه بكونه طرفاً، ومن حامل راية الاصلاح الى تصويره من خصومه بالمسؤول الاساس عن عرقلة الإصلاح، والذي يسعى الجميع الى تحميله كرة نار الانهيار وحده.

 

رئيس الحكومة حسان دياب من جهة أخرى، يسعى الى تعديل كل كلامه الاقتصادي وخطط حكومته وخطابات الانقلابات المزعومة التي أطلقها. وبدا واضحاً أنّه يريد البقاء في كرسيه، وإن كان الثمن إحراق مستشاريه الذين سعوا الى ايجاد البدائل الداخلية والخارجية، في ظلّ احباط الاخير وخيبته، نتيجة إقتناعه واقتناع تقارير مستشاريه، انّ ما من اموال من صندوق النقد وانّ الاصلاح المنشود مستحيل، بعدما انصهر في التركيبة السياسية المحصاصاتية القائمة.

 

رئيس المجلس النيابي نبيه بري، او داهية السياسة اللبنانية، يذهب ابعد من الاثنين، فهو من باب رغبته المبطنة الدائمة للتخلّص من دياب، ومن باب خلافه التاريخي مع الرابية، ومن باب موقعه كضمان لثلاثي «القوات» «المستقبل» «الاشتراكي، ذهب إلى خيار التغيير. فهو يسعى اليوم الى تحضير صيغة حكومة وفاق وطني، عبر وضع اسسها وتعزيز ارضيتها لتولد في اللحظة السياسية المناسبة، وهنا تمّ التداول بأسمين لرئاسة حكومة المرحلة المقبلة: الرئيس السابق تمام سلام، والنائب سمير الجسر.

 

في ظلّ السباق على ادارة المرحلة بين الرئاسات الثلاث، والتي ثبت حتى الساعة انّ عين التينة متقّدمة في ديناميتها ومبادرتها وصواب رؤيتها، ما زالت تداعيات الدعوة الى التوجّه شرقاً قائمة داخلياً وخارجياً.

 

للتذكير، وبعيدًا من تقنيات المشاريع الصينية، سياسياً، الصينيون منذ ثلاث سنوات ابدوا رغبة بالدخول الى لبنان عبر طريقين: الاول مالي مصرفي، وسط إقتناع صيني بأنّ لبنان يمكن ان يكون منصّة مالية شرق اوسطية للاستثمارات الصينية.

 

اما الثاني، فهو اقتصادي استثماري، بعدما كانت تعوّل الاخيرة على جعل لبنان قاعدة لإعادة اعمار سوريا .

 

اليوم القطاع المصرفي اللبناني شبه منهار، واعادة الاعمار في سوريا ولّت مع العقوبات الاميركية التي شلّت البلاد هناك، فما الجدوى من اي استثمار؟

 

وهل تملك بكين الجرأة والترف في ظلّ حربها مع واشنطن ان تدخل الملف اللبناني بالسياسة؟

 

وهل ستذهب الى حدّ المغامرة بالاستثمار في بلد غير قادر على سداد ثمن دعم ربطة الخبز؟

 

طبعاً لا، وكل كلام آخر يندرج ضمن خطاب التهويل، فـ»حزب الله» للمرة الاولى يواجه حرباً مع عدو ورقي غير مرئي، لا الصواريخ معه تنفع ولا التهديد ولا الوعيد .

 

في المحصلة، وفي خلاصة كل ردود الفعل والسيناريوهات، يمكن القول انّه بين السياسة التي وصلت تقريباً الى حائط مسدود وبين المال والاقتصاد اللذين فقدا الحائط من اصله، الجميع يتخبّط في إنتظار فرج يبدو أنّه بعيد جداً، لا بل يلامس المستحيل…