Site icon IMLebanon

فلسطينيّو ضبيه: المخيّم يبيض ذهباً و”الأونروا”… محتالة

 

إيجار الأرض 70 ألف ليرة سنوياً وغاز “كاريش” ظهر فيها

 

فلنغيّر اتجاه البوصلة. فلننسَ زلازل الطبيعة وجنون الدولار والقهر الذي يمارسه العبيد، الحاكمون بأمرِنا، علنا نرتاح. فلنذهب الى البحر، الى الشاطئ، ولنسرح في الأفق قليلاً. نقف عند أعتاب مارينا ضبيه، بالقرب من ووتر فرونت، وننظر يميناً ويساراً، الى فوق وتحت، فيلفتنا وراء أوتيل لو رويال، المطل على البحر، مخيم شبه منسي. هنا مخيم ضبيه. هنا فلسطينيون يسكنون منذ زمن في بقعة جميلة سعر المتر المربع الواحد فيها يتجاوز السبعة آلاف دولار أميركي. وهذا ليس كل شيء. ذهبنا الى هناك وخرجنا بصور يحاكي بعضها ما تراه العين في سائر المخيمات وتختلف في معظمها عنها. فماذا في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في ضبيه اليوم؟

 

يبعد مخيّم ضبيه عن بيروت مسافة 12 كيلومتراً فقط. تأسس في العام 1956. نتذكر فجأة أن زلزال شحيم المدمر حدث في 16 آذار 1956 أيضاً. يا إلهي، لماذا تلازمنا أخبار الزلازل كيفما توجهنا. نشدّ على أعيننا وكأننا نحاول أن نلغي الذاكرة القريبة ونعيش فقط في اللحظة. المدخل الى المخيّم مفتوح، مشرّع. ولولا بيت الأونروا “المطروش” بالأزرق لما عرفنا أننا أصبحنا في داخله.

 

يتكون المخيم من أربعة شوارع متدرجة العلو. وكلما ارتفعت أصبح المنظر، المطل على البحر، أجمل. النظافة ملفتة. البيوت من طبقة او اثنتين. ولا ننتبه أن أسقفها من تنك إلا بعد أن نصعد أكثر وننظر اليها من فوق. في المخيم كنيسة باسم مار جرجس للروم الكاثوليك. ثمة مأتم في الكنيسة والراحل هو سليم الياس نصرالله. آل نصرالله، وجذورهم من حيفا، كثيرون في المخيم، لجأوا الى لبنان وسكنوا في مخيم ضبيه. ثلاث فتيات يتّشحن بالأسود نسألهنّ عن فلسطينهم في الذاكرة والعيش فيجبنَ: نحن سوريات. السوريون بات عددهم كبيراً أيضاً في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في ضبيه. نسألهم عن سوريا فيجبنَ عن العوز الى المياه وندرة الكهرباء في المخيم. نخبرهم أن حال البلاد والعباد، على تنوّع جنسياتهم، هكذا، مثلهن، فيجبنَ: لكننا لاجئون ونازحون ويجب أن يلتفتوا الى حاجاتنا. اللاجئون والنازحون إعتادوا على المساعدات أما أهل البلد فيعرفون أن لهم الله، والله وحده. وهذا هو الفارق في الأيام التعيسة اليوم.

 

 

560 منزلاً في المخيم الكائن على أرض تابعة لدير مار يوسف، إستأجرته الأونروا لمدة 99 سنة، بقيمة سبعين ألف ليرة لبنانية سنويا، ويحوط بستان. توقف الدير منذ أعوام عن تقاضي الإيجار السنوي. قندلفت كنيسة مارجرجس يدعى شارل مالك. يعرفنا على نفسه ويبتسم عارفاً أن للإسم وقعاً كبيراًعلى أسماعنا، نحن اللبنانيين. يلزمنا عمال وعاملات للخياطة. إعلان منشور على يافطات في المخيم. بائع اللبن وصل للتو من عكار “فأهالي المخيم يستهلكون الكثير من اللبن يومياً”. يرافقنا القندلفت شارل مالك في الأرجاء ويخبرنا عن معاناته “بيتي بالإيجار. أدفع مئة دولار شهرياً. مع العلم أنني فلسطيني لكنني غادرت منزلي الأساسي لأشهر ويوم عدت وجدته مشغولاً من فلسطيني آخر. والفلسطينيون، كما تعلمون، حين يشغلون مكاناً لا يغادرونه بسهولة” ويضيف القندلفت “بيتي محتل اليوم من فلسطيني”. نبتسم. ندعو له أن يسترجع حقّه. ونتابع سيرنا.نعبر من شارع الى شارع. رائحة غاز قوية تنبعث من الأرجاء. نسأل عن سببها فيجيب فلسطيني من البصة، القرية الملاصقة للحدود اللبنانية جنوبي رأس الناقورة، بسخرية: “غاز كاريش ظهر في مخيم اللاجئين في ضبيه”. نبتسم أيضا له مستفسرين عن السبب الحقيقي فيجيب: “سأبوح لكم بسر. حين تفرغ قارورة الغاز، ضعوها على رأسها، بالمقلوب، وسينزل منها نحو كيلوغرامين من المياه. وخذوها واملأوها بأنفسكم فتبقى صالحة مدة أطول. والرائحة التي تتنشقونها هي بسبب نزول ما تبقى من الغاز المثقل بالمياه”. ألا يُقال النصيحة ببلاش؟

 

أنشئ المخيم على مساحة نصف كيلومتر مربع. وهو المخيم الوحيد في لبنان الذي يضم لاجئين فلسطينيين مسيحيين. اللجنة الشعبية الفلسطينية في لبنان موجودة في المخيم وأمين سرّها هو وسام رفيق قسيس الذي في فمه ماء. يريد أن يتكلم عن كل شيء. ومستاء من كل كل شيء. والعداوات داخل المخيم مسرح كل الكلام ويقول “هذا المخيم اسمه المخيم المنسي وهذا ما حثنا على إنشاء اللجنة الأهلية فيه. كثيرون يخافون من تسميات اللجان الأهلية لكنها كانت ضرورية هنا”. ويستطرد: “أيام حكم النظام السوري في لبنان، قبل العام 2005، كانوا في كل مرة نتحدث فيها عن لجنة شعبية، يأخذون من تكلم الى المخابرات. بعد 2005 عادت تزورنا قيادات من حركة فتح والمنظمات الفلسطينية. وأول من زارنا هو عباس زكي وكان حينها ممثل السلطة الفلسطينية في لبنان، ولم تكن هناك سفارة”. ويستطرد: “هذا المخيم دجاجة تبيض ذهباً. إنهم يشحذون علينا. وتبين ان من يفعلون “يشفطون” ( المال)، لذلك نحن، مثل اللبنانيين، نطالب باسترداد الأموال المنهوبة التي كانت مخصصة لنا. أنتم نُهبتم ونحن أيضاً”. هو يتحدث عن جمعية نهبت فلسطينيي مخيم ضبيه. غيره تحدث عن انه هو من ينهب اللاجئين والمخيم. الكلام كثير وكأن مخيم اللاجئين صورة عن كل لبنان. نتابع الإصغاء الى أمين سر اللجنة الشعبية في ضبيه “جمعية النجدة الإجتماعية، الموجودة في سائر المخيمات، دخلت في تموز الماضي الى المخيم. ونحن دورنا رفع الظلم عن اللاجئين هنا. نحن عددنا 2000 نسمة في المخيم بين فلسطينيين ولبنانيين، ونسبة الفلسطينيين من العدد نحو 40 في المئة. ما يعني ان عدد الفلسطينيين يناهز 800 فرد تقريباً. وهناك نحو 500 منزل. الفلسطينيون مثل اللبنانيين لا ينجبون كثيراً والزيجات تراجعت كثيراً اما السوري فلا يهمه شيء “يبزّر” كثيراً ولا يوجد بيت سوري في المخيم فيه اقل من ستة اولاد. هؤلاء يتكاثرون بشكل سريع. ونتوقع ان يقوم الفلسطينيون في المخيم قريباً بتأجير منازلهم هنا، الى سوريين، والسكن خارجه، مثلما حصل في مخيم شاتيلا الذي اصبح معظم سكانه “غربيي” وهذا ما يحصل ايضاً في مخيم برج البراجنة. السوريون، على ما تبدو الصورة، باقون الى أبد الآبدين”.

 

طغيان عددي

 

الفلسطينيون ايضا يتذمرون من طغيان النازحين السوريين. هذا ما خلص إليه الفلسطيني وسام قسيس. هو يتكلم وهناك من يُصغي إليه من وراء الستارة. هو رجل اخبرنا قسيس انه مخبر “فالمخبرون في كل مكان”. يناديه ويطلب منه المغادرة ويتابع كلامه “جميع الفلسطينيين هنا من الطائفة المسيحية. إنه المخيم الفلسطيني المسيحي الوحيد في الشرق الأوسط. ونحن حريصون عل عدم بيع بيوتنا الى مسلمين. نؤجرهم ولا نبيعهم. والسوريون يوم أتوا حاولوا احداث شغب لكننا منعناهم. الأمن الآن ممسوك من القوى الأمنية والدرك الذين يقومون بدوريات مرتين يومياً. إنهم يراقبون لمنع العمار. وحدها الأونروا تُدخل ترابة وبحصاً لأعمال التأهيل”. المسنون كثر. الأطفال أقل. الشباب والشابات الفلسطينيون أقل بكثير. فلسطينيو مخيم ضبيه غير فلسطينيي المخيمات الأخرى. صور القديس مارشربل على زجاج المنازل. الصلبان عند المداخل. والأونروا وكأنها غير موجودة بحسب الكثيرين هناك. نقصد مقرّ الأونروا. إنه مقفل ويفتح مرتين اسبوعياً. نسأل الفلسطيني الذي يتكئ على قدم واحدة ويدعى غسان نعمة عن قدمه الثانية فيجيب: “فقدتها يوم انقطع الونش بي وسقطت عن علو”. نسأله عن المخيم فيأخذنا فوراً الى الأونروا قائلا: “اننا دجاجة نبيض ذهباً لها”. انها العبارة نفسها التي سمعناها قبل قليل فماذا يقصد هو بها؟ يجيب “الأونروا غير موجودة هنا إلا بالإسم”.

 

الأونروا كمان وكمان

 

لا فصائل مسلحة في مخيم ضبيه. زمان، كانت الجبهة الشعبية موجودة في المخيم لكن في العام 1976 خرجت…ولم تعد. والفلسطينيون اللاجئون يعيشون حالياً بسلام مع الجوار و… “قد يكونون يعيشون أفضل من الجوار”، هذا ما يهمس به لبناني يعيش في المخيم، لكن، قبل أن يتابع، يقاطعه جاره الفلسطيني نافياً ذلك.

 

وبين النفي واليقين سألنا عن الخدمات في مخيم ضبيه والجواب أتى من أمين سر اللجنة الشعبية “منذ العام 2000 لم نعد ندفع فاتورة المياه لأنها لا تصل الى البيوت. الساكنون أول الخط يأخذون المياه والساكنون في آخره بالكاد يحصلون عليها. فلماذا ندفع؟”، ويستطرد: “لا حلول بين الأونروا والدولة على كيفية تسديد الفواتير، والدولة اللبنانية أبقت على المياه من شقّ إنساني. كما أن هناك معاهدات حول ذلك. في أي حال، هناك تراكم مبالغ متوجبة على الأونروا للدولة اللبنانية، عن المياه في مخيم ضبيه، كانت تقدر بنصف مليون دولار، حين كان الدولار 1500 ليرة أما الآن ففقدت قيمتها. الأونروا تريد التسديد اليوم غير أن الدولة اللبنانية تتهرب. إنها الأونروا المحتالة”. دير مار يوسف لا يقبض أيضا إيجار أرض مخيم ضبيه من الأونروا “فهو لا يحرز”. اللاجئون الفلسطينيون في ضبيه يتكلون أيضا في الطبابة وكهرباء المولدات وتعليم اطفالهم على “مساعدة الراهبات الصغيرات اللواتي جئن من بلجيكا” ويقولون “لولاهن لوصلت أصواتنا الى آخر الدنيا و”لأكلنا” الأونروا”. الراهبات افتتحن عيادة شبه مجانية في المخيم وهنّ يسددن فواتير المولدات كما يدفعن أقساط الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في المدارس الخاصة”… يتكلمون في المخيم ويسهبون. فهل علينا أن نحسدهم؟ يا الله أين وصلنا.

 

بقي أربعون عاماً

 

كاهن كنيسة مارجرجس في مخيم ضبيه هو الأب إستيليانوس غطاس. مضى على وجوده حيث هو نحو سبعة أعوام، وتحديداً منذ أيار 2016. هو كاهن سكان مخيم ضبيه وضبيه البلدة وذوق الخراب أيضاً. هو يكرر ما سمعناه من ناس المخيم: “مخيم اللاجئين الفلسطينيين في ضبيه منسي”. نذكره أن لبنان كله منسي فيجيب “هذا صحيح لكن الفلسطيني لا يستطيع أن يعمل. هناك طبيب فلسطيني توفي في المخيم منذ عام، كان يصف الأدوية لكن بلا روشتة طبية، لأن ذلك ممنوع عليه”. ويختم: “الأرض التي بنيت عليها كنيستنا ملك وقف دير مار يوسف أيضا، وبالتالي بقي من فترة إستثمارها نحو أربعين عاماً. وحين سيذهب المخيم ستذهب أرض الكنيسة لأنها ضمن إيجار الأونروا. بنت البعثة البابوية الكنيسة لكن الأرض ليست ملك الكنيسة الكاثوليكية. وأي شيء ننوي القيام به نأخذ موافقة الدير والأونروا عليه”. ننظر حولنا. ثمة مدافن في المخيم تستقبل ليس سكان المخيم وحسب بل كل أهالي ضبيه الكاثوليك والموارنة. هناك أزقة في مخيم ضبيه لكن أقل من المخيمات الأخرى. هناك قهر لكن أقل. هناك فوضى ومشاكل لكن أقل بكثير… ماذا بعد؟ الإيجار الذي بين الأونروا ودير مار يوسف ينتهي بعد أربعين عاماً. أوف، مرّ على وجود مخيم اللاجئين الفلسطينيين ما يناهز الستين عاماً… هو الوقت، كما العمر، يمرّ سريعا؟ البارحة أتى النازحون السوريون أيضاً وها قد مضى على وجودهم 12 عاماً. ترى حين ينتهي إستثمار الأونروا لأرض مخيم ضبيه – بعد أربعين عاماً – سيكون لبنان… لبنان؟ سؤالٌ يطرح.