Site icon IMLebanon

تداعيات الحرب لن تقتصر على لبنان… بل ستطال أوروبا وأميركا 

 

 

فشلت قمّة السلام في مصر في وقف آلة الدمار العسكرية، وأصبحت الأنظار مُسلّطة على جبهتين جديدتين: الأولى الضفة الغربية والثانية جنوب لبنان. وإذا كانت الأولى مُؤلمة بشريًا ل «إسرائيل» نظرًا للإحتكاك المباشر بين الفلسطينيين و»الإسرائيليين»، إلا أن الجبهة الشمالية تبقى الأكثر إزعاجًا والأكثر خوفًا ل «إسرائيل»، نظرًا إلى ما تحمله المواجهة من سيناريوهات قد تكون كارثية على الدولة العبرية وعلى لبنان أيضًا.

 

خوف «إسرائيل» من الجبهة الشمالية تمّت ترجمته بإخلاء عشرات المستوطنات على الحدود مع لبنان، والتهديدات التي أطلقها ويُطلقها قادة العدو الإسرائيلي بإتجاه لبنان. ففي تصريحٍ له، أشار رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو خلال جولة على حدود لبنان إلى «أننا نخوض معركة مزدوجة على جبهتي لبنان وغزة، وإذا قرّر حزب الله التصعيد فسيواجه حرباً أقوى من 2006»، مُضيفًا «حتى الآن لا يُمكننا تأكيد أن حزب الله قرّر دخول الحرب، وإذا قرّر ذلك فسيجلب دماراً لا يُمكن تصوّره عليه وعلى لبنان».

 

عمليًا، وبحسب المعطيات قلّلت «إسرائيل» من هدفها الأساسي تفريغ غزة من أهلها وترحيلهم إلى شبه جزيرة سيناء مع رفض مصر، ومع ما للغزو البرّي من تعقيدات قد تنعكس سلبًا على جيش العدو.

 

وبحسب المُعطيات، أصبح هدف «إسرائيل» الحالي ترحيل الفلسطينيين من شمال وادي غزّة إلى المنطقة الواقعة جنوبه حتى الحدود المصرية. وقد أفرغت الطائرات «الإسرائيلية» آلاف المنشورات التي تدعو فيها أهالي غزّة القاطنين شمال الوادي إلى الإنتقال إلى جنوبه.

 

وبالتالي، وفي ظلّ التردّد الواضح في خوض المعركة البرية، من المرجّح أن تكون السياسة المُتبعة من قبل جيش العدو هي سياسة الأرض المحروقة شمال وادي غزّة، وهو ما سيرفع الخسائر البشرية والمادية إلى مستويات تاريخية لم يشهدها الصراع الفلسطيني – «الإسرائيلي» سابقًا.

 

وهنا يُطرح السؤال عن موقف حزب الله من مُشاركته في الحرب التي يخوضها العدو الاسرائيلي على قطاع غزّة، خصوصًا أن العديد من الرسائل تمّ إيصالها إلى الحزب عن طريق فرنسا وغيرها، لثنيه عن الدخول في المعركة مع موقف لافت للدولة الفرنسية التي قالت أنها لن تُساهم في إعادة إعمار لبنان في حال دخل الحزب المعركة. وهنا تظهر سلّة من التساؤلات عن نيّة العدو الإسرائيلي تجاه لبنان في حال فُتحت معركة مع الحزب؟

 

تاريخيًا، ومما حصل من المجازر التي إرتكبتها «إسرائيل» سابقًا في مواجهتها مع لبنان من العام 1996 إلى العام 2006، نرى أن عقيدة جابونسكي المُتمثّلة بإستخدام الأرض المحروقة، هي التي ستطغى، وبالتالي هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة من وجهة النظر «الإسرائيلية»:

 

– أولًا : عدم فتح جبهة مع لبنان نظرًا إلى المخاطر التي ستنتج عن هذا الأمر، وبالتالي عدم القصف المباشر على لبنان، مما يُحيّد لبنان عن الأضرار البشرية والمادية ويحصرها في إطار قواعد الإشتباك التي فرضها الحزب منذ عدوان تموز 2006؛

 

– ثانيًا : توسيع رقعة الإشتباكات القائمة حاليًا، من دون أن يكون الصراع مفتوح ، وهو ما يعني زيادة إحتمال الخسائر البشرية والمادية.

 

– ثالثًا : فتح صراع كامل للجبهة مع لبنان، وهو ما يعني بدء المفاجآت على هذه الجبهة، خصوصًا أن المقاومة تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ وجاهزة لسيناريوهات إقتحام داخل الجليل، كان قد صرّحت عنها سابقًا.

 

إلا أن الكارثة في هذا السيناريو الأخير هو حقد الماكينة العسكرية «الإسرائيلية»، والتي بدأت تظهر على آلسنة المسؤوليين العسكريين والسياسيين، والتي قد تستخدم سياسة الأرض المحروقة لضرب الأراضي اللبنانية، خصوصًا المرافق الحيوية (كما فعلت خلال عدوان تمّوز 2006) ، وتشمل البنى التحتية الكهربائية والمائية والمطار والمرافئ والجسور والتجمّعات السكانية كما فعلت في تموز 2006 ، مع فارق أنه هذه المرّة تحظى «إسرائيل» بدعم عسكري مباشر من قبل الغرب، وهو ما يعني الفوضى الكاملة.

 

لماذا الفوضى؟ الجواب يأتي من قدرة لبنان كما «الاسرائيلي» على توجيه ضربات موجعة للآخر. فالعدو سيرسل طائراته لقصف الأراضي اللبناني بأهدافها العسكرية والمدنية (مجازر قانا مثالًا على ذلك أو خزانات النفط في الجيّة…) ، خصوصًا مع خوفه من القدرات المتصاعدة لحزب الله. من ناحيته، لن تقف المقاومة مكتوفة الأيدي، فقد تعمد إلى ضرب العمق «الإسرائيلي» مع صواريخه، وقد يصل الأمر إلى حد المفاعل النووي في ديمونا وحتى الآبار الغازية في البحر. وهو ما يعني خسائر كبيرة جدًا على الطرفين، مع إحتمال تطور أكبر في حال دخول إيران على خطّ المواجهة سواء عن بُعد أو مباشرة.

 

التقديرات للخسائر لمثل هذا السيناريو كبيرة جدًا. ففي حال «إسرائيل» قد تصل الخسائر إلى أكثر من 50 إلى 60 مليار دولار أميركي (خسائر في البنى التحتية وفي الإقتصاد) في ظل سيناريو صراع مفتوح. أما في الجانب اللبناني، فالخسائر قد تصل إلى هامش الـ 15 إلى 25 مليار دولار أميركي (خسائر في البنى التحتية بشكل مباشر). أضف إلى ذلك إستهداف العدو لخطوط الإمداد الغذائي والمحروقات والمرافق الصحية اللبنانية من مستشفيات (فعلتها في غزّة، لما لا تفعلها في لبنان؟) وغيرها.

 

إذًا، ومما تقدّم نرى أن الخسائر المادية المتوقّعة في ظل سيناريو صراع عسكري مفتوح كبيرة جدًا. وبالتالي قد يكون هذا الأمر هو الذي دفع الولايات المُتحدة الأميركية بالطلب من «إسرائيل» عدم فتح الجبهة الشمالية، خصوصًا أن أوروبا تنظر إلى الغاز في البحر على أنه مصدر مهم لتعويض الغاز الروسي (وهو ما يُبرّر إلى حدٍ كبير قدوم البوارج وحاملات الطائرات إلى البحر).

 

التداعيات لن تقف عند حدود المنطقة، بل ستنسحب على العالم أجمع من باب الطاقة. عمليًا سوق الغاز العالمي سيتعرّض حكمًا إلى نكسة كبيرة، وهو ما سيؤثر على أوروبا التي تستخدم الغاز للتدفئة وفي الإستخدامات المنزلية. كذلك سوق النفط حيث سترتفع أسعاره نتيجة المخاوف من توسّع الصراع وشموله دولًا مُنتجة للنفط، أو تأثيره على طرق ناقلات النفط البحرية. وهو ما يعني إرتفاع أسعار المحروقات في الولايات المُتحدة الأميركية، التي يسعى بايدن بكل قواه إلى خفضها قبل الإنتخابات الرئاسية العام المُقبل. أمّا على صعيد الكهرباء، فستشهد أوروبا إرتفاعًا ملحوظًا في اسعار الكهرباء خلال فصل الشتاء، وهو ما سيؤثر على القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي بشكل مباشر.

 

إذًا ومما تقدّم، نرى أن تصعيد هذا الصراع ليس بمصلحة أحد وبالتالي يجب وقف ماكينة القتل واللجوء إلى لغة الحوار وحدها الكفيلة بالوصول إلى حلٍ مُستدام خصوصًا أن الحسم العسكري مُكلف جدًا بشريًا وماديًا.