Site icon IMLebanon

استعادة القدس … فعلاً لا قولاً

 

كان مؤسفاً مشهد الصدامات أمام السفارة الأميركية شرق بيروت، كما هو الحال بالنسبة إلى أي صدامات أو مواجهات أو عنف داخلي في أماكن أخرى من عالمنا العربي، وهو أمر لا يمكن أن يخلِّف سروراً أو ارتياحاً لدى أي طرف، باستثناء أعداء السلام.

من حق الجميع أن يعبروا، وبكل الأساليب الممكنة، عن القهر والمذلة التي خلفها قرار دونالد ترامب حول القدس، لكن ذلك لا يجب أن يقودنا إلى أن «نطلق الرصاص على أقدامنا» أو «نشعل النار في جلابيبنا»، ونكتفي بردود فعل عصبية بدل الارتقاء إلى مستوى الحكمة والروية المطلوبتين لمواجهة خطورة المرحلة.

ما أقدم عليه الرئيس الأميركي كان بمثابة مزيد من الاستنزاف لموقع الولايات المتحدة ورصيدها واحترامها في المنطقة، وبمعنى آخر: بات ترامب، بقراره النابع من أهداف شخصية انتهازية، كمن يسرق من بيت أبيه ليطعم الأشرار، فلا هم سيكافئونه ولا أبوه سيسامحه.

وبطبيعة الحال، فإن القرار -على غبائه- أعطى دفعاً معنوياً للذين لا يؤمنون بالحلول السلمية، المتمسكين بأن «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، وأكثر من ذلك، فقد أسقطت خطوة ترامب حل الدولتين ونسفت مبادرات السلام وأعادت الصراع إلى المربع الأول.

ولعل أفضل تلخيص للموقف العام السائد في الشارع المناهض لإسرائيل وأنصارها في أميركا هو موقف كوريا الشمالية، التي أكدت أنه «لا توجد دولة اسمها إسرائيل حتى تكون القدس عاصمتها»، حتى أن بعض وسائل الإعلام الآسيوية انضمت إلى نظيراتها في المنطقة وأصبحت تتفادى ذكر تسمية إسرائيل وتستعيض عنها بعبارة «الكيان الصهيوني» أو «العبري» أو «تل أبيب».

وازدادت حتى أصبحت غالبية لا يستهان بها نسبةُ الذين باتوا يؤمنون بأن لا تعايش ممكناً مع إسرائيل بعد اليوم، وأن الصراع بات وجودياً، على طريقة «هم أو نحن» و «معنا أو ضدنا»، فهل هذا ما كان يريده الذين كانوا خلف قرار ترامب؟

لا شك في أنه من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن من اتخذ القرار لم يكن يعرف أنه سيصب في مصلحة «دعاة زوال إسرائيل» ويوجه ضربة قاصمة إلى الذين يوصفون بمعتدلين وأنصار سلام، ما يعزز بالتالي القناعة بأن المطلوب هو تأجيج الصراع مجدداً وإعادته إلى المربع الأول، ومن هنا بات لزاماً على مواطني إسرائيل استخلاص العبرة وفهم أن هناك من يريدهم أن يكونوا محكومين بصراعات لا تنتهي وأن يعيشوا في خوف وقلق أبديين، لا في حال سلم وتعايش مع محيطهم، وذلك خدمة لتجار السلاح والموت والمتلاعبين بمصائر البشر.

ما ضير أن تكون القدس عاصمة لجميع الأديان لا يحتكرها أحد؟ ما ضير لو كانت في منأى من النزاعات، يتقاسمها الفلسطينيون والإسرائيليون وتدير شؤون الأماكن المقدسة فيها الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية؟ لكن لا، ثمة من يريد إعادة النزاع إلى نقطة الصفر، لأن إقامة إسرائيل لم تكن بالنسبة إلى أصحاب المصالح وتجار الدماء خدمة لليهود ولا انتقاماً من الإسلام والمسيحيين، بل كانت وسيلة لإنتاج الحروب والقلاقل وبيع الأسلحة واستنزاف موارد المنطقة وضرب النمو فيها.

سبعة عقود والمنطقة منشغلة عن التنمية البشرية، الأولوية فيها للتصدي لـ «العدو الصهيوني» و «الإمبريالية الرجعية» على حساب التعليم والطبابة وخلق فرص عمل وتنمية الأرياف ومكافحة الفساد وسائر الملفات الملحة.

وبتحليل معمّق لمنطق الأمور، فإن الرد على القرار الغبي لترامب هو بالعمل على جعل القضايا المذكورة آنفاً أولوية والاهتمام بتنمية الإنسان وبالتقدم والتطور، وبالتالي اكتساب مكامن القوة الصحيحة تلقائياً، بما يمكّن المنطقة من فرض خياراتها على أمثال ترامب ومن وراءهم.