Site icon IMLebanon

صمود الساحات وسقوط غزوات القمع… واستمرار محاصرة أحزاب السلطة

 

وَلَجَتْ ثورةُ اللبنانيين مرحلة جديدة بعد «الثلاثاء الأسود» الذي خيّم على ساحات الإعتصام وشوارع لبنان، مع تنفيذ أوامر الإقتحام والتخريب والإستفزاز التي نفذها أنصار بعض الاحزاب من صور إلى بعلبك، ومن جسر الرينغ (غزوة شارع مونو) إلى ساحة النور، وإجتياح شوارع طرابلس من «الغوغاء المنظمة»، وغزوة محازبي التيار العوني لبكفيا وعين الرمانة، وإستحضار كل شياطين وشعوذات الحرب الأهلية بشعاراتٍ طائفية ومذهبية فاقعة، ظنّ مطلقوها أنها ستكون كافية لإخضاع الثائرين وإغلاق الساحات وإعلان وفاة الثورة..

 

يحقّ لمدبـّري «فتنة الثلاثاء» وما سبقها من إقتحاماتٍ عنيفة، أن يظنوا أنها ستؤدي إلى إرهاب الناس التي إفترشت الأرض وإلتحفت السماء، ووضعت مصيرها على توقيت ونبضات وهتافات آلاف الشبان الذين أحرقوا سفنهم، ويوجهون بسلمية وإصرار سلطةً أوصلت البلد إلى الإفلاس ومشارف الإنهيار.. لكن الواضح أن مستوى نضوج الشعب أرقى من محاولات إعادته إلى حظائر الطائفية والمذهبية البغيضة.

 

صمود الساحات في وجه القمع والتنكيل

 

هاجم الغوغاء منطقة عين الرمانة، وحاولوا إقتحامها، لإيقاظ أشباح الحرب الأهلية، لكن الأهالي صمدوا، ولم ترهبهم عراضات القوة، ولا صرخات الإستعداء الطائفية، فالجميع بات مدركاً أن الصمود السلمي، هو الخيار الأكثر صلابة وإيلاماً لأحزاب السلطة.

 

وفي اليوم التالي خرجت أمهات الشياح وعين الرمانة في تظاهرة وطنية وجدانية جدّدت دفن خطوط التماس ورفضت كلّ أشكال الفتنة.

 

في طرابلس، إفتعل الطابور المعلوم – المجهول إشكالاً بدأ حول مركزٍ شبه مهجور للتيار الوطني الحر، ثم توسعت رقعة الإضطرابات، لتصبح موجةَ تخريبٍ واسعة طالت المؤسسات والمصارف المحيطة بساحة النور وصولاً إلى البحصاص، مع تسجيل وقوع عشرات الإصابات في صفوف المشاغبين والجيش وأهل الساحة الذين كانوا يحاولون وقف هذا الإنفلات الذي أصاب ساحتهم وهدّد ثورتهم..

 

لكن الفجر التالي كان موعداً لتجدّد ساحة النور حيويتها وتستعيد هديرها ولتتلاقى قياداتها المدنية وأهل الساحة لبلورة مبادرة تضمن حماية الساحة بالتنسيق مع الجيش.

 

ساحاتُ بعلبك وصور التي نالت نصيباً وافراً من التشبيح والعدوان، عاودت بدورها نشاطها بزخم لاقى ساحات الوطن المتفاعلة والمنتفضة ضد كل أشكال القمع..

 

أين يكمن الخلل.. لماذا لا يُعتقل المخرّبون؟

 

تشابَهَ المشهدُ بين نتائج غزوة شارع مونو وغزوة ساحة النور وجوارها. فمستوى التخريب فاق التصوّر، والأذى امتدّ إلى المنازل والممتلكات، وفي كلا الحالتين: مخربون مكشوفو الوجوه، مارسوا كل أعمال البلطجة، ولم يستطع الأمن إعتقال أيٍّ منهم. وبرز السؤال الأهم: كيف إرتكب هؤلاء المخربون كل هذا الحجم من التدمير، ولم يقم عناصر الجيش بتوقيفهم، وهم على بعد خطواتٍ منهم؟

 

كيف يمكن أن نفهم توافر صور المخربين في كاميرات وتسجيلات المؤسسات المستهدفة وتوثيق الناشطين، ولم يتم القبض على أيٍ منهم حتى الساعة؟ ما الذي يمنع تحرك القضاء تلقائياً لتسطير إستنابات التوقيف بحق هؤلاء؟

 

ما الذي يعطي المخرّبين حصانة بهذا الإستفزاز، ويدفع لتوقيف أربعة فتية نزعوا يافطة للتيار العوني في حمّانا؟ أو إحتجاز شبان في المنية والبداوي على خلفية إحتجاجاتٍ سلمية نظيفة؟

 

ولماذا لا تنبري ثلة من أهل ساحة النور، ومنهم المحامون، بالإدعاء على هؤلاء الذين أضروا بطرابلس وثورتها، والضغط المتواصل لوضع حدٍ لهذه التجاوزات..؟

 

ما هو دور وزير الدفاع الياس بوصعب في دفع فوج المغاوير إلى ساحة بكفيا، وفرض عبور الموكب العوني المستفز، بدل عودته درءاً للفتنة، كما هو الشعار السائد في حالاتٍ مضادة؟ وهل من الجائز أن يتدخل وزير مستقيل، وهو طرفٌ مضادٌ للأهالي، ليورّط المؤسسة العسكرية في مشهد مواجهةٍ ربما لم يسبق أن شهدته البلدة، لتغليب الكيدية والغطرسة العونية على موقف أهل بكفيا الرافض لإقتحام موكبٍ مؤلف من 500 سيارةٍ مزودة بالأعلام البرتقالية ومكبرات الصوت، ومتجهة إلى منزل الرئيس الجميل لتوجيه الإتهامات ونبش القبور..

 

.. وينقلب السحر على الساحر

 

نجح العونيون في «إستفزاز» أهالي بكفيا، الذين لم يسجلوا نشاطاً إعتراضياً في شارعهم، ولكن الوفد العوني السيّار الذي كان قد أعلن التوجه للمطالبة بفتح ملفات الرئيس الأسبق أمين الجميل، كان كفيلاً بإخراج شباب البلدة وشيبها، ولا أزال أذكر سيدة سبعينية وهي تنافس الشباب في حركتها وحدة غضبها وتوجيه الرسائل الثقيلة على طريقتها.. لتصدّ بكفيا غزوة التيار البرتقالي، وتؤكد أنها منطقة مفتوحة القلب والشوارع للجميع، وأنها مغلقة في وجه المتطرفين العنصريين الذين وصل بهم الجموح، إلى حدود ممارسة التنمّر والشعبوية والإستعلاء على مواطنيهم، الذين يشتركون معهم في الدين والطائفة..

 

تراكم قوّة الصمود

 

فشلت كل محاولات الإستدراج للوصول إلى صدامٍ بين اللبنانيين المختلفين، على قاعدة شارع مقابل شارع، كما لم تفلح الغزوات البربرية على ساحتي الشهداء ورياض الصلح في تفريغهما من الثوار..

 

سقطت كلُّ حواجزِ الخوف ومظاهر الإرهاب أمام إرادة الناس، واختبر الثوار في يومياتهم أساليبَ تخطي الغزواتِ وجهالة القائمين بها، واختبروا أيضاً إشكالية الضياع في القرار لدى القوى الأمنية في مواقف عدة، خاصة عندما لم تستطع إعتقالَ مخرّبٍ واحد من هؤلاء الذين ظهروا بالصوت والصورة، وهدّدوا المتظاهرين بالقتل على الهواء بشكلٍ مباشر..

 

لم تستطع الغزوات المتتالية أن تغيـّر في مشهد الشارع شيئاً، فقد سقطت أساليبُ الترهيب التي لامست حدود القتل، كما أنها لم تفلح في تحريك الجمود السياسي المتفاقم، ولا في تحقيق أيّ مكسبٍ فعلي، بإستثناء إشكالية قطع الطرق، التي تحتاج إلى مراجعة من الثوار لتقييم إستخدامها بعد بعد مرور 45 يوماً على إنطلاق إحتجاجاتهم المتواصلة.

 

لقد تفنـّنـت أحزاب السلطة في وسائل قمع الثورة الأكثر شمولية ووطنية في تاريخ لبنان، ولكنها بعد رعاية كلّ هذه الأعمال الشائنة وصلت إلى حائط مسدود في خياراتها الإستراتيجية، وهذا يوجب على الثورة، الدخول في مرحلة جديدة من إدارة الصراع، لمزيد من الإنضاج والتماسك والصلابة، ولمزيد من التصعيد الذي يصيب مكامن الضعف لدى السلطة، ويوسّع دائرة الإستقطاب لأوسع قدرٍ ممكن من اللبنانيين الذين يتجهون سريعاً نحو هاويةِ باتوا متأكدين أن من يرميهم إليها، هم القابعون على كراسيّ السلطة وحماتـُهم من أصحاب السلاح والفساد.