Site icon IMLebanon

لتأجيل التصنيف.. أم تغيير الواقع؟

 

تنفس الطاقم السياسي الصعداء بعدما اطمأن على إعطاء «ستاندرد اند بورز» فترة سماح إضافية قبل خفض التصنيف الائتماني نظراً لتراجع الواقع الاقتصادي والمالي في البلاد، حتى ذهب البعض لاستثمار هذه الخطوة وكأنها انتصار في حين لا تشكل سوى فرصة اخيرة من المجتمع الدولي تفاديا لإطلاق رصاصة الرحمة على الاقتصاد اللبناني المحتضر.

 

من المفيد التمعن بمدلولات هذه الخطوة الآنية، حيث تظهر تمسك المجتمع الدولي بلبنان واستعداده لملاقاته في منتصف الطريق منعا للانهيار التام، خلال مهلة إضافية لتحسين مستوى الإصلاحات التي لم تتجاوز كونها خطوات شكلية لم تصل الى عمق المشكلة ولم تنسف الإدارات الفاسدة لتعيد هيكليتها، في حين غابت الشفافية في التلزيمات والصفقات وهي المقياس الحقيقي لمحاربة الفساد، واقتصرت موارد الدولة في ميزانيتها على جيوب المواطن ولقمة عيشه دون المساس بالموارد الحقيقية من تهريب واملاك بحرية وضرائب على الكماليات والمؤسسات الكبرى واصحاب الدخل المرتفع وما الى ذلك من موارد كبرى لم تطالها خطة الحكومة لرفع ايرادات الدولة.

 

اما الأخطر مما سلف، فهو الانطباع السائد عند اللبنانيين، ان الطبقة السياسية باتت موقنة ان المجتمع الدولي لن يترك لبنان فريسة الانهيار الاقتصادي وانه سيتخذ الخطوات الضرورية في الوقت المناسب للحفاظ على ما تبقى منه، وبالتالي استمر الإمعان بتقاسم الحصص وتحويل سائر الملفات الحياتية الى صفقات تدخل بازار المساومات ولا تخرج الا منهوبة، اضافة الى دفع البلاد نحو شحن سياسي وإشاعة الأجواء المتشنجة كلما سنحت الفرصة، لابقاء الضغوطات بأعلى مستوياتها وليبقى الشرع ورقة جاهزة للمقايضة!

 

وكأن الأزمات العديدة التي خرجت منها كل الأطراف خاسرة لم تكن كافية لاستخلاص العبر، فاستمرت سياسات التشكيك بكل محاولة لكسر الواقع المتردي بدءا بانتقادات للهندسة المالية التي وضعها حاكم مصرف لبنان والتي سمحت للدولة بالالتزام بدفع المستحقات على الديون المتوجهة عليها، مما أعطى ضمانات للدول المدينة بان لبنان لن يقع في هوة الدول المارقة، وصولا للقاءات الرئيس الحريري الاخيرة في واشنطن والتي اعادت الى الأذهان صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري حينما كان يحرك علاقاته الخارجية وصداقاته لخدمة المصلحة الوطنية وتجنيب الوطن كأس العزلة والتضييق المرة والتي اذا ما حكم بها على لبنان لسقط فرق حسابات الصراعات الإقليمية في غيابات الإفلاس المالي والتقسيم والصراعات الطائفية والسياسية اللامتناهية! الا انه بات واضحا من هي الأطراف المشككة دائما والتي من مصلحتها ابقاء الوطن الصغير في متناول النيران الإقليمية، مهما كانت الحجج فإما الاتهام بخيانة القضية الفلسطينية او الارتهان لاوامر البنك الدولي وأميركا تحديدا… لم تعد تنطلي على احد!

 

لقد اثبتت الوقائع الاخيرة ان المجتمع الدولي بات اكثر حرصا على مصلحة لبنان من الطبقة السياسية الحالية، وان التحذيرات الخارجية تنبع من محاولة جدية للحفاظ على ما تبقى من مفهوم الدولة، في حين يتمادى الافرقاء بابتزاز الاستقرار الأمني والاقتصادي لتحصين مكاسبهم الخاصة والاستيلاء على مراكز الدولة ومواردها البشرية والمالية دون رحمة للشعب المنهك او خوف من حساب عند استحقاق انتخابي كون الذاكرة الشعبية ضعيفة، او حتى من مساءلة من قبل مؤسسات الرقابة كونها تخضع لقانون المحسوبيات والولاءات الحزبية والطائفية!

 

اخيرا، تبقى العبرة في قدرة الدولة اللبنانية مجتمعة على الاستفادة من فترة السماح هذه لتسليط الضوء على وضع خطط استراتيجية للخروج من مستنقع الفساد فعلا لا قولا، واعادة الأموال لتصب في خزينة الدولة بعيدا عن المحاصصة لتنفيذ مشاريع إنمائية باتت اكثر من ملحة لحياة المواطن اليومية من نفايات وماء وكهرباء… حتى لا تذهب فرصة سيدر هباء كما ذهبت فرص كثيرة قبلها!