Site icon IMLebanon

تحوّلات السياسة التركيّة في الصراع السوري

 

اتسمت السياسة التركية إزاء الصراع السوري بالاضطراب، وتغيير التموضع، إذ بات يتعذّر على كثيرين فهمها، سواء من منظور استقرار تركيا، وتالياً تعزيز مكانتها الإقليمية، أو من منظور تمكين الثورة السورية، بالحفاظ على سلامة مسارها وتحقيق مقاصدها، وهذا ما تحدث عنه الزميل عبد الوهاب بدرخان في مادته المتميزة هنا («خيارات تركيا في سورية… مجازفات بلا ضمانات»، الخميس الماضي).

والحقيقة، كان واضحاً، منذ البداية، أن ثمة مداخلات وتأثيرات تركية مقصودة في الثورة السورية، مباشرة أو غير مباشرة، سواء في تشكيلاتها السياسية أو العسكرية أو المدنية، ولجهة تحديد أنماط صراعها مع النظام، كما على مضامين خطاباتها، وعلاقاتها العربية والدولية.

في هذا الإطار، مثلاً، لا يمكن تجاهل أن تركيا لعبت دوراً مهماً في أخذ الثورة السورية نحو انتهاج الصراع المسلح، الذي أزاح أشكال الصراع الشعبية، إن من خلال الدفع بإنشاء كيانات عسكرية متعددة، أو بالتشجيع على انتهاج نمط معيّن في الصراع العسكري ضد النظام يتمثل في السيطرة على مناطق في المدن والأرياف مأهولة بالسكان، من دون توافر القدرة للدفاع عنها، أو تأمين المقومات الأساسية للعيش فيها، مع تأكيدنا أن النظام هو المسؤول أساساً عن ذلك بانتهاجه الحل الأمني حصراً لوأد توق السوريين للحرية والكرامة والتخلص من الاستبداد.

أيضاً، كان لتركيا دور مؤثّر في تحجيم، أو إزاحة، «الجيش الحر»، وتوجيه الدعم نحو الفصائل العسكرية التي تتغطّى بالإسلام، وتحديداً من النمط الجهادي السلفي، ليس على حساب هذا الجيش فحسب، وإنما حتى على حساب التيارات الإسلامية الأخرى المدنية والمعتدلة، وعلى حساب كيانات المعارضة السياسية، وأيضاً على حساب المقاصد الأساسية التي انطلقت من أجلها الثورة السورية والمتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، التي باتت على الهامش، في حين تصدّرت الخطابات الإسلامية – الجهادية. وفي المحصلة، فإن هذا الوضع أدى إلى صبغ الثورة السورية بطابع معين، ديني وطائفي، ما خدم النظام، وساهم في ترويج روايته عن الصراع مع «الإرهاب»، وضد التدخّلات الخارجية»، كما أدى إلى إضعاف الإجماعات الوطنية عند السوريين وزعزعة ثقة قطاعات واسعة منهم بثورتهم.

المسألة الأخرى التي أثرت فيها تركيا وهي المتعلقة برؤيتها للمسألة الكردية في سورية، وعدم تمييزها عن المسألة الكردية فيها، بحيث إنه بدت الأوساط السائدة في المعارضة السورية (السياسية والعسكرية) متماهية تماماً مع الموقف التركي في هذا الأمر، مع تأكيدنا أن ثمة مسؤولية كبيرة تقع أيضاً على عاتق حزب الـ «بي يي دي» (و «قـوات حماية الشعب») الذي لم يميّز، أيضاً، بين المسألة الكردية في سورية ومثيلتها في تركيا، إذ إنه ظل يتصرف بسلوكياته ومواقفه وراياته كأنه امتداد لحزب العمال الكردستاني (التركي)، ويأتي ضمن ذلك رفعه صور اوجلان بعد تحرير مدينة الرقة من «داعش» وتعبئته المستمرة ضد تركيا.

لم يتوقف الأمر عند هذه التأثيرات، التي انعكست سلباً على ثورة السوريين، وعلى صدقيتها، إذ إن تركيا التي كانت شجعّت على الصراع المسلح ذهبت فجأة نحو العمل على وقف هذا الصراع، لكن من دون الارتباط بأي أفق سياسي، كما حصل في توافقاتها مع روسيا وإيران على «مناطق خفض التصعيد»، حتى قبل تلبية الشق الإنساني من الاتفاقات الدولية. وبدلاً من أن تعزّز المسار التفاوضي في جنيف، وفقاً لمرجعية بيان «جنيف1» (2012)، وقرار مجلس الأمن الدولي 2254، أخذت المعارضة نحو مسار تفاوضي آخر في آستانة، وها هي ربما تدفع إلى حضور مؤتمر سوتشي، الذي تعتزم روسيا عقده قريباً، بالتشارك مع إيران، على رغم عدم نجاح اتفاقات «خفض التصعيد».

وهي بدلاً من أن تراقب ما يُجرى في إيران، بانتظار ما يمكن أن يتمخّض عنه الحراك الشعبي، الذي حصل فيها مؤخراً، إذا بها تعبر عن وقوفها مع النظام الإيراني، الذي من المفترض أنه ينتهج ممارسات معادية لها، أو ينافسها على المكانة في الإقليم، هذا مع الاحترام للعلاقات الاقتصادية والمصالح القوية المتبادلة التي تربط الدولتين.

هذا يطرح، أيضاً، عديد الأسئلة. فمثلاً، أليست توافقات آستانة هي التي مكّنت النظام، بمعونة روسيا وإيران، من استعادة سيطرته على كثير من المناطق؟ وهل أوقفت روسيا قصفها، وإيران اعتداءاتها، والنظام هجوماته، على السوريين في المناطق منخفضة التصعيد؟ ثم هل يخدم الدفاع عن النظام الإيراني مصالح تركيا الإقليمية، ومصالح الاستقرار في سورية والعراق، حيث تلعب إيران دور المخرب والممزّق للبنى الدولتية والمجتمعية؟

طبعاً من حق تركيا الدولة أن تحدّد أولوياتها ومصالحها، والأنسب لشعبها، لكن هذا يفتح على مسألتين، أولاهما، أن المعارضة السورية ينبغي أن تميز بين مصلحة الدولة ومصلحة الثورة، وإنها معنية بتمثل مصالح السوريين وحقوقهم، وسلامة مسار ثورتهم، قبل أي شيء، أو أي أحد، آخر، فهذه هي مهمتها، أو مبرر وجودها. وثانيتهما، أن المعارضة يجب أن تحافظ على استقلاليتها، وضمن ذلك حقها في نقد حلفائها، أو أصدقائها، والعمل بشكل حثيث على إيجاد التقاطعات، لا توسيع الفجوات، بين مصالح هذا الحليف وأولوياته ومصالح وأولويات الشعب السوري. بل إنه حتى من زاوية مصلحة تركيا الأجدى للمعارضة المساهمة في تصويب سياساتها وتسليط الضوء على مكامن الخطر التي تضر بتركيا، باستقرارها وبمكانتها الإقليمية، فما هي هذه السياسة التي تقوم على أساس التحالف مع إيران وروسيا اللتين تدافعان عن النظام وتدمران وتقتلان الشعب السوري؟ وما هي هذه السياسة التي تهمش مسار جنيف التفاوضي لمصالح مسارات أخرى؟

قبل عام كنت نشرت في هذه الصفحة مقالاً عنوانه: «تركيا قبل الربيع العربي وبعده» (18/1/2017)، قلت فيه إن تركيا «خسرت جزءاً مهماً من استثمارها السياسي لدى حكومات بل ومجتمعات العالم العربي، وذلك بسبب طبيعة تدخّلاتها في سورية»، بعد أن كانت قد أضحت، منذ بداية حكم «حزب العدالة والتنمية» (2002)، بمثابة نموذج ملهم للمجتمعات العربية، باستقرار مجتمعها، وصعودها السياسي والاقتصادي، وبقوّتها الناعمة، وبكونها دولة ديموقراطية، برلمانية، وتتمتع باقتصاد قوي وناهض، وكونها دولة يقودها حزب إسلامي في نظام علماني وديموقراطي. وأخشى أن ذلك ما زال قائماً، مع مسار قد يفضي إلى تشبّه تركيا بإيران، كدولة ذات أجندة حزبية ودينية وإقليمية، وتستخدم القوة الخشنة، لا الناعمة، وهو ما لا نريده لتركيا ولا لنموذجها، من أجلها ومن أجل جوارها.