Site icon IMLebanon

ما بين «الدوحة» و«إسلام آباد»: الصفقة الأميركية ـ الإيرانية مناصفة!

 

 

قبل أن تكتمل الجهود الباكستانية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران لعقد طاولة «إسلام آباد 2»، برزت معطيات جديدة أعادت الدوحة إلى الضوء، بعدما استعادت دوراً لها جمّدته الصواريخ الإيرانية التي استهدفتها. وذلك من بوابة نظامها المصرفي الذي يقود إلى الأموال الإيرانية المجمّدة. وهو ما دفع إلى الاعتقاد بإمكان تقاسم الوساطة مع «إسلام آباد»، فتجري المفاوضات المالية في الأولى، وتبقى العسكرية والنووية على طاولة الثانية. وهذه عينة من المؤشرات.

منذ أن قصد رئيس مجلس الشورى رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي الدوحة في 26 ايار الماضي، بهدف تزخيم المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة الأميركية، تلاحقت التكهنات بإمكان أن تخسر باكستان دورها الريادي في استضافة هذه المفاوضات، لتستعيد قطر مكانتها التفاوضية في أولى أيام الحرب الدائرة في بحر العرب ومضيق هرمز. كان ذلك قبل أن تخطف العاصمة الباكستانية الضوء من بوابة الحلف الدولي الرباعي الإسلامي السنّي الذي جمعها مع كل من تركيا، المملكة العربية السعودية ومصر. وهي مهمّة انطلقت من الاتفاق على اعتماد «إسلام آباد» مقراً لجلسة المفاوضات الاولى بين الطرفين في 11 و12 نيسان الماضي، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل اليه في الثامن من الشهر عينه.

 

لم يطل الاعتقاد كثيراً، إلى أن تمّ التدقيق في تركيبة الوفد الإيراني وصفات أعضائه، والهدف من الزيارة وجدول أعمالها واهدافها. فتبين انّ محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همّتي كان ثالث المسؤولين الإيرانيين الكبار في تركيبته، ومعه خبراء في القانون الدولي والعلوم المالية. ليتبين لاحقاً انّ المحادثات كانت قد بلغت مرحلة تحديد المبالغ الإيرانية المجمّدة في المصارف الأجنبية التي يمكن الإفراج عنها عند تخفيف العقوبات المالية تدريجاً. فالجميع يدرك انّ النظام المصرفي القطري هو القناة الرسمية المخصصة لفك العقوبات منذ الإفراج في وقت سابق عن 6 مليارات من الدولارات كانت ستُعاد إلى إيران قبل تجميد معظمها.

 

على هذه الخلفيات، تحدثت تقارير ديبلوماسية وسياسية عن مجرى المفاوضات في الدوحة، فأوحت بتقدّم ملحوظ على المسار المالي خصوصاً، وهي التي قدّمت دفعاً للمسارين السياسي والعسكري على «خط إسلام آباد»، ودفعت بوفد من المفاوضين القطريين للتوجّه إلى طهران أمس، للبحث في ما سُمّي «محاولة لإبرام اتفاق نهائي وسدّ الثغرات في ما تمّ التوصل إليه من بنود ما زالت قيد البحث على مختلف المستويات دفعة واحدة». وكل ذلك لم يقلل من أهمية ما رافق هذه المحادثات من مقاربة مسائل أخرى، ترافقت مع وجود بعثات إيرانية وأميركية، بالإضافة إلى وفود لبنانية من قيادتي «حزب الله» وحركة «امل»، قبل وجود وفد «الحزب التقدمي الاشتراكي» برئاسة وليد جنبلاط ومعه نجله رئيس الحزب تيمور ونواب وأعضاء من مجلس القيادة.

 

وإنّ ذهبت بعض التقارير بتفاؤلها إلى هذا الحدّ الإيجابي، فهي ربطت بين ما أنجزه رئيس الأركان في الجيش الباكستاني عاطف منير من تقدّم في مهامه المكوكية ما بين طهران، التي قصدها قبل أيام قليلة، وعواصم خليجية عدة كانت على خط تبادل الآراء التي طرحها وواصل على أساسها مساعيه على أكثر من جبهة. وهي مهمّة سمحت له بأن أوفد إلى طهران وزير داخلية بلاده الأقرب اليه من بين المسؤولين الباكستانيين، ومعه سلة جديدة من المقترحات التي يمكن أن تعزز البحث عن اكبر عدد ممكن من النقاط المشتركة بين طرفي الحرب، بعدما وجّه نسخاً منها إلى واشنطن وعواصم متعاونة اخرى، بغية جمع ردات فعلها، ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي الذي كثفت أمانته العامة من اجتماعاتها لمواكبة فصول الحرب وإدانة الضربات الإيرانية على بعض دولها كتلك التي استهدفت الكويت والبحرين.

 

عند هذا التقاطع في المعلومات الواردة من أكثر من جهة، توسعت رقعة التحليلات لما شهدته الساحة اللبنانية من تصعيد في الأيام الأخيرة رافقت التقدّم الإسرائيلي المفاجئ شمال مجرى نهر الليطاني وصولاً إلى قلعة الشقيف والتهديد بهجوم على النبطية، بعد قصف الضاحية الجنوبية، في عملية استُدرجت فيها طهران إلى المواجهة بهدف إعاقة ما تمّ التوصل إليه من تفاهمات، مخافة أن تتقدّم واشنطن في تفاهمها مع طهران دون مراعاة مطالب تل ابيب التي تضع مصير الأسلحة الصاروخية وسلاح «حزب الله» في مصاف الهمّ الأميركي النووي.

 

وكل ذلك يجري – وفق المعلومات الدقيقة المتداولة على نطاق ضيّق – من اجل إبطال مساعي إيران لحصر النتائج المتوقعة بحماية سلاح ذراعها الوحيدة في لبنان، وفتح مضيق هرمز من دون تعطيل مشاريعها بتقاضي رسوم عبور جمركية او اي نوع آخر من الضرائب غير المشروعة التي تتناقض مع القانون الدولي الذي يرعى الحركة في المضائق الطبيعية. كما بالنسبة إلى إمكان تأجيل البحث في هذه المرحلة بما يتصل بالملفين الصاروخي والنووي الإيراني، وتركهما إلى مرحلة لاحقة تلي تذليل العقبات المالية وبرامج العقوبات المختلفة. وكل ذلك يثير ريبة تل أبيب ومعها عواصم مختلفة من أن تتجاهل واشنطن اولوياتها بشأن سلاح «حزب الله»، بعدما خسرت إيران نفوذها الواسع في اكثرية دول المنطقة ما بين سوريا والعراق وغزة امتداداً إلى اليمن.

 

وأمام هذه المطالعة السياسية والديبلوماسية والمالية، انتهت تقارير عدة إلى الإشارة، إلى انّ ما يجري من مفاوضات متعددة الوجوه والمصادر والمواقع، يوحي بإعادة نظر بصفقة كبرى يتمّ التمييز فيها بين ما هو مالي وما هو عسكري ونووي، في انتظار ان تتلاقى التفاهمات في صيغة واحدة. وهي عملية من الصعب تقدير موعد ولادتها في ظل مظاهر النزاع الإيراني – الإسرائيلي والتهديدات الأميركية بضرب مواقع حيوية وجسور إيرانية في اقرب وقت، رداً على إسقاط إحدى طائراتها، وتلك التي تتلقّى تداعياتها الجبهة الجنوبية في لبنان من دون أي أفق.

 

 

Exit mobile version