يتزايد مستوى التوتر في الشرق الأوسط عشية انطلاق المفاوضات الأميركية–الإيرانية المرتقبة في مسقط، وذلك بعد أن شهدت الأيام الماضية خطوات عدة كادت أن تؤدي إلى إلغائها، نتيجة التباين الواضح بين الطرفين حول مكان انعقادها وبنودها الأساسية.
وبغضّ النظر عن قساوة الشروط الأميركية، والتي من شأنها فعليًا تجريد إيران من معظم عناصر قوتها، إلا أن التجارب السابقة أثبتت أن النصر الدبلوماسي يُعدُّ العدو الأول لإسرائيل. وعليه، فإن نجاح هذه المفاوضات سيُعد انتصارًا حقيقيًا لإيران، لأنها بذلك تفوّت الفرصة على الكيان الصهيوني الذي يسعى جاهدًا لإفشالها وجرّ الولايات المتحدة إلى حرب مدمّرة ضد إيران، يكون لإسرائيل دور محوري فيها كونها تشكل أحد أهم مصادر التهديد لأمن إسرائيل في المنطقة.
أما البنود التي تطرحها الولايات المتحدة للنقاش، فهي عمليًا إما باتت معطّلة أو لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها المرجوّة. فالمفاعل النووي الإيراني سبق أن تعرّض لضربات قاسية في شهر حزيران الماضي، ما أدى إلى تعطيله، وأصبح يحتاج إلى سنوات من التحضير اللوجستي والتمويل لإعادة تشغيله، وهما أمران باتا صعبَي المنال في ظل تشديد الخناق على قنوات التمويل المعتمدة.
وفي ما يخص الصواريخ البالستية، فلا شك أنها تشكل تهديدًا لأمن إسرائيل، إلا أن هذا التهديد يبقى محدودًا، إذ لم تنجح في حماية إيران من الضربات التي استهدفتها في حزيران، كما أنها لم تُلحق الأضرار المتوقعة بالكيان الصهيوني، بعدما تمكنت منظوماته الدفاعية من رصد معظمها واعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها.
وعلى صعيد متصل، تبرز مسألة الأذرع الإقليمية لإيران، والتي فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على زعزعة الاستقرار في المناطق التي تنشط فيها، ما جعلها عبئًا متزايدًا على النظام الإيراني، الذي أنفق عليها ميزانيات ضخمة في وقت كان فيه الشعب الإيراني يرزح تحت وطأة العقوبات، ما أدخله في أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.
وفي مقاربة أولية لتوازن القوى في حال اندلاع مواجهة عسكرية شاملة، لا شك أن كفة الترسانة الأميركية ترجح بشكل حاسم، ما يجعل خيار الحرب بمثابة انتحار جماعي للنظام والشعب الإيرانيَّين في معركة يمكن وصفها، بأقل تعبير، بأنها كربلائية.
أما لبنان، فيقع في صلب هذا المشهد في كلا السيناريوهين، نظرًا للارتباط العضوي والعقائدي بين حزب الله وإيران. ويترقب اللبنانيون نتائج هذه المفاوضات بقلق بالغ، في وقت تنشط فيه الدبلوماسية الغربية والعربية لتحييد لبنان عن أي صراع محتمل. كما تعمل الدولة اللبنانية، بمختلف مكوناتها، على إنجاز ملف حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها، لقطع الطريق على أي مغامرة غير محسوبة العواقب.
إن قرار إيران بإنجاح المفاوضات يتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الحفاظ على النظام و استعادة الاستقرار الداخلي. وكما قال الفيلسوف نيكولو ماكيافيللي في كتابه «الأمير»: «على الأمير أن يكون حكيمًا، وأن يكون قادرًا على تغيير طبيعته مع تغيّر الزمن، فالكبرياء أمام تقلّبات القدر هو طريق الهلاك».
فهل تمتلك القيادة الإيرانية الحكمة الكافية لتفويت الفرصة على إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية في المنطقة، لا بل تحقِّق نصراً اقتصادياً عبر رفع العقوبات وإنهاء مسلسل الانتفاضات الداخلية المستمرة؟ أم أن الكبرياء السياسي سيدفعها إلى الطريق الكربلائي ؟
