Site icon IMLebanon

فشل الحرب وإعلان انتحار نتنياهو السياسي

 

الحرب التي تشنها اسرائيل بأعلى مستويات العنف والظلم ضد الشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر منذ سنوات منذ 7 تشرين اول من العام الماضي ما زالت مستمرة، لا بل هي مرشحة لتزداد عنفاً وقتلاً من خلال الاستعداد لمهاجمة مدينة رفح والتي لجأ اليها ما يقارب مليون ونصف مليون من السكان العزّل والجياع. انه الظلم بعينه، ان تهاجم آلة الحرب الاسرائيلية هؤلاء اللاجئين الى رفح ومحيطها بهدف تهجيرهم من جديد وبطريقة قسرية الى سيناء لترتكب بذلك النكبة الثانية بحق الشعب الفلسطيني من خلال اقتلاعه من ارض الآباء والاجداد منذ ما يقارب 2000 سنة.

تتحدث القيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية عن الاستمرار في الحرب الى حين تحقيق الاهداف التي اعلنتها في بداية الحرب وابرزها القضاء على حماس في بنيتها العسكرية والسياسية، بالاضافة الى تحرير الاسرى الاسرائيليين الموجودين لديها، ويبدو منذ بداية الحرب بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد حدّد الانتصار العسكري الذي يسعى اليه بهذين الهدفين غير القابلين للتنفيذ، وهذا ما حذرت منه في اكثر من مقال منذ بداية الحرب. وبالرغم من ان القيادات الاميركية الداعمة لإسرائيل في حربها بكل الوسائل المتاحة والاسلحة الفتاكة التي تزودها بها، بواسطة جسر جوي متواصل، منذ اليوم الاول لبدء الحرب لم تقتنع منذ اليوم الاول للحرب بواقعية او بامكانية اسرائيل على تحقيق هذين الهدفين، الا انها لم تحاول دبلوماسياً او عسكرياً باقناعها بعدم واقعية او بامكانية الانتصار في الحرب، وبالتالي تحقيق الاهداف التي حددها نتنياهو ووزير دفاعه، تدرك الولايات المتحدة جيداً من تجربتها المزدوجة في افغانستان والعراق بأن طبيعة الحرب التي تخوضها اسرائيل ضد حماس تخرج كلياً عن مفهوم الحرب التقليدية، وبالتالي فإن الانتصار لن يتحقق من خلال قتل اكبر عدد من جنود العدو، او احتلال مزيد من اراضيه، بل لا بد من سؤال نفسك عن المكان الذي ستصل اليه في نهاية الحرب، وخصوصاً لجهة دفع العدو للاستسلام، واذا كان الجواب بالنفي، فإن الانتصار الذي تسعى اليه لم ولن يتحقق، وبأن المشكلة التي ستواجهها ستستمر، والحرب ستجدد.

 

ان طبيعة الحرب التي تخوضها اسرائيل ضد حماس في غزة ستؤكد على عدم قدرة الجيش الاسرائيلي المتفوق عددياً وبقوة نيرانه، وبالتكنولوجيا المتطورة التي يملكها على تحقيق الانتصار الذي يسعى اليه، وسيخسر الحرب امام عدو اضعف منه، وهذا ما حدث مع الجيش الاميركي في كل من افغانستان والعراق، وبالرغم من كل عناصر التفوق التي امتلكها.

وفي هذا السياق لا بد من تذكير الاسرائيليين، وقبل انتهاء حربهم في رفح بالهزائم التي منيت بها مختلف الجيوش الكبرى في حروبها ضد اعداء اضعف منها، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، بأن فرنسا قد خسرت الحرب في الجزائر، وفي الهند الصينية، وبريطانيا قد خسرت حربها في فلسطين وقبرص، والاتحاد السوفياتي في افغانستان والولايات المتحدة في فيتنام والصومال، وحتى اسرائيل نفسها قد خسرت حربها مرتين متتاليتين في لبنان عام 2000 وعام 2006، ولذلك فان تجربتها الجديدة ضد حماس لن تكون بأفضل من تجاربها السابقة مع المقاومة اللبنانية.

 

ان الجيش الاسرائيلي بتنظيمه وتجهيزه واسلحته وعقيدته القتالية يقلد تماماً ما هو معتمد في الجيوش الغربية الكبرى، وهو يدرس ويعتمد منذ نشأته مبادئ الحرب المعتمدة من قبل صن نزو في الصين القديمة وكارل فون كلوز ويتز في القرن التاسع عشر، حيث يدرجان قواعد واضحة لاتباعها في التخطيط او شن الحرب. ويبدو بوضوح ان قياداته ما زالت تتمسك في تنظيمها وتجهيزها وتدريبها هذه المبادئ التقليدية، وقد اظهرت عجزها عن الاستفادة من تجاربها، حيث انها تكرر نفس الاخطاء التي كانت سبباً لخسارتها الحرب مرتين في لبنان. فالمشكلة التي يواجهها الجيش الاسرائيلي الآن في حربه في غزة، ليست في نقص العديد او العتاد والمواد والاخرى اللازمة للحرب، بل تكمن في استراتيجيته  وفي قبوله بتحديد الانتصار المدعو لتحقيقه وفق اهداف غير استراتيجية وفي قبوله بتحديد الانتصار المدعو لتحقيقه وفق اهداف غير واقعية، وتخدم فقط مصالح اليمين الاسرائيلي المتطرف بالاضافة لرغبة نتنياهو للاستمرار في السلطة، بالرغم من اتهامه بالفساد واحالته للمحاكمة.

 

اذا اجرينا مراجعة تحليلية لعمليات الجيش الاسرائيلي في لبنان، والآن في غزة فإنه سرعان ما سيتبين لنا بأنه يعتمد استراتيجية الحرب التقليدية والتي تعتمد على نيران سلاح الجو وتشكيلاته المدرعة والآلية، وهي استراتيجية تفتقر للمرونة اللازمة، لخوض حرب حديثة، ضد قوى متحركة ومتخفية، وتستغل جميع الفرص لمفاجأة القوى الاسرائيلية، وإنزال خسائر فادحة في صفوفها. ولا بد لأي متابع لمجريات الحرب التشكيك بنتائج العمليات الاسرائيلية في غزة، وادعائها بتدمير ما يزيد عن نصف الكتائب التي تملكها حماس. في الوقت الذي لم تعرض القيادة الاسرائيلية أياً من نتائج هذه العمليات امام وسائل الاعلام او الشعب الاسرائيلي، بل بقيت ادعادات خصوصاً بعدما تبين بأن عملية تخليص «رهينتين» لم تكن عملية عسكرية بل جرى شراؤهما بالمال. وهنا يبدو بأن نتنياهو قد اشترى لنفسه بطاقة سفر على سفينة «تيتانيك» يبدو بوضوح بأن القيادة العسكرية الاسرائيلية، وعلى كل المستويات باتت اسيرة فكرة تحقيق انجازات تكتبية صغيرة، وهذا ما يؤشر اليه تركيزها على قتل اكبر عدد من الناس وتدمير واحتلال مناطق واسعة من المدن. ويؤكد ذلك مقتل ما يزيد عن 29 الف فلسطيني ومعظمهم من الاطفال والقصَّار، بالاضافة الى تدمير ما يقارب 70 في المئة من المنازل، والبنى العمرانية.

لقد اشتكى من غياب وجود  استراتيجية كبرى تركز على تحقيق الاهداف الكبرى للحرب احد الوزراء البارزين في مجلس الحرب ايزنكوت متهماً تركيز القيادة على انجازات تكنية محدودة منذ ما يزيد عن 5 اشهر. واهمية وجود استراتيجية يتركز على السعي الدائم لتحقيق الاهداف التي تحقق الانتصار والتوصل الى الاهداف السياسية للحرب، وفي رأينا ودراستنا للاستراتيجية الاسرائيلية في عدة حروب توصلنا الى استنتاج حول فشل القيادة العسكرية في وضع استراتيجية «كبرى» ومتابعة تنفيذها من اجل تحقيق الاهداف الاستراتيجية لليوم التالي، لان اولى مواصفات الاستراتيجية بالحرب فقط، بل على تلازم فعلي بين الحرب والسلام، ولذلك فإنها يجب ان لا تقتصر على استعمال القوى العسكرية. ما يؤكد اتهامنا لاسرائيل بتغييب كلي للمفهوم الاستراتيجي للحرب تصريحات نتنياهو الاخيرة حول الحؤول لعقود دون قيام دولة فلسطينية، ونواياه في فرض السيطرة الامنية الاسرائيلية على الضفة وغزة، وبذلك لن يكون هناك «اليوم التالي» الذي تسعى اليه الولايات المتحدة بعد وقف الحرب.

دفعت سياسة «الابادة» التي تُنفذها اسرائيل في غزة الشعوب الغربية والحكومات الاوروبية لادانة عملياتها «الوحشية» ضد المدنيين.

وصدرت اقوى الاتهامات ضد اسرائيل عن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا متهماً اسرائيل بارتكاب «ابادة» على غرار «محرقة اليهود» في المانيا.

في النهاية يؤكد تقرير الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية فشل الحرب في تحقيق اهدافها، وبأن «حماس» كتنظيم ميليشياوي مسلح ستستمر في غزة.