دارت في الفترة الأخيرة في مدينة (طوز خور ماتو) التابعة إدارياً لمحافظة صلاح الدين (تكريت)، اشتباكات بمختلف الأسلحة بين الميليشيات التركمانية من جهة، والميليشيات الكردية (البيش مركة) من جهة أخرى، حتى ان الأكراد استخدموا في هذه المعارك، الأسلحة الثقيلة بما فيها الدبابات.
وكانت هذه المدينة في السابق من ضمن أقضية محافظة كركوك، بيد ان النظام العراقي السابق، جعل من مدينة مسقط الرئيس السابق صدام حسين (تكريت)، محافظة بإسم (صلاح الدين)، بعدما أنتزع لها أقضية ونواح عدة من المحافظات المجاورة، و كان ذلك في عام 1976.
كانت (طوز خور ماتو) ذات أكثرية تركمانية قبل أن تتعرض للتمدد الكردي أو عملية التكريد، كما هو حال مدينة كركوك، حتى ان إحصاء عام 1957، أكد أن الأكراد يشكلون ثلث سكان كركوك، بينما كان الثلثان الباقيان، يتشكلان من التركمان والعرب و كذلك من أقليات مسيحية.
ولهذا، فإن اسم طوز خور ماتو، معناه بالتركمانية (ملح وتمر) حسبما يقول الباحثون، وفريق آخر من الناس يعتقد، أن الاسم انما يتكون من ثلاث كلمات الأولى: (طوز ـ كلمة تركمانية تعني الملح)، وكلمتي (خور ماتو) أي التمر والتوت، وهنالك ثالث يعتقد أن أصل التسمية اشورية قديمة، كانت تحمل اسم (خير متي)، فحُرف وصحُف إلى (خورماتو ـ خورماتي)، واضيفت اليه (طوز ـ دوز)، بعد اكتشاف الملح فيها لاحقاً، فيكون المعنى الإجمالي (ملح خير متي) أو (قلعة خير متي).
والأحداث الأخيرة لم تكن ذات صبغة عرقية وحسب (أكراد وتركمان)، بل هي أيضاً ذات صبغة طائفية، من واقع أن غالبية تركمان العراق من المذهب الشيعي، والأكراد في هذه الأحداث، أتهموا الميليشيات الشيعية بالمشاركة فيها، ولهذا فإن الحرب الشيعية الكردية وبتسميات عدة، راحت تشتعل بين الحين والآخر، وسبق أن اشتعلت مثل هذه الحرب في محافظة ديالى، ذات الديمغرافية المتعددة: عرب، أكراد، تركمان.
وفي هذا الصدد، أفاد مصدر أمني في محافظة كركوك في الفترة الأخيرة، بأن تنظيم (داعش)، بدأ بتحشيد عناصره على طول مناطق التماس مع الحشد الشعبي التركماني والبيشمركة، جنوبي كركوك، (25. كم شمال بغداد)، فيما أكد أن التنظيم استغل الاحداث التي يشهدها قضاء طوزخورماتو، لتحشيد عناصره.
وقال المصدر في حديث الى وسائل الاعلام، (إن تنظيم داعش بدأ بتحشيد عناصره على مناطق التماس مع قوات الحشد الشعبي التركماني والبيشمركة الكردية في مناطق جنوب قصبة بشير واليرقون ومزارع الدولة وجسر الزركة وحمرين، جنوبي كركوك)، مبيناً (أن عناصر التنظيم يتنقلون سيراً على الاقدام بين تلك المناطق لمنع رصد تحركاتهم)، وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، (أن تنظيم داعش قام بتحشيد عناصره، مستغلاً التوترات الحاصلة بين الحشد الشعبي التركماني والبيشمركة في قضاء طوزخورماتو، شرق تكريت، واستثمار التوتر لشن هجمات على مناطق التماس).
في هذا الجانب، لا بد من الإشارة الى أن الدستور العراقي الذي أُعد في فترة الاحتلال الأميركي، وضع قنابل موقوتة أو ألغام قابلة للانفجار في أي وقت، عبر تسمية (المناطق المتنازع عليها)، وهذه المناطق توزعت على أربعة محافظات: كركوك والموصل و ديالى وصلاح الدين .. وتشمل مكونات
[ (2)
عرقية ودينية ومذهبية متعددة، كالعرب والأكراد والتركمان والآشوريين والكلدان والايزيديين.
فالحرب الأهلية في العراق، حالها كحال الجمر تحت الرماد، ولولا الحرب على الإرهاب أو الحرب على (داعش)، وانشغال العالم وليس العراق وحده بهذه الحرب، لكان العراق المقسم فعلياً في الوقت الحاضر، يقع تحت نيران هذه الحرب في أكثر من جبهة، وبدوافع طائفية وعرقية، وربما يكون العراق البلد الوحيد في المنطقة، الذي لا تنتهي حروبه الإقليمية والأهلية، منذ القرن الفائت وحتى وقتنا الراهن، وفقاً لإيقاع حرب تلد أخرى، وليس بالضرورة أن تتشابه هذه الحروب في دوافعها وأغراضها وساحاتها، بل هي دوامة الحرب التي واجهها العراق، كقدر لا فكاك عنه!.
وطوز خور ماتو المعروفة بـ (كركوك المصغرة)، أصبحت ساحة حرب بين الأكراد والتركمان، وهذه المدينة تقع على بعد نحو 250 كيلومتراً شمالي بغداد، فالاكراد ومنذ الإحتلال الأميركي، أي منذ عام 2003، يديرون المفاصل الادارية والامنية الحساسة للمدينة، فيما شكل التركمان بعد ظهور (داعش) ميليشيات (الحشد الشعبي)، بغرض حماية وجودهم المعرض للخطر من قبل الأكراد و(داعش) في آن.
لا شك أن المعارك المتقطعة، تحولت مؤخراً الى صراع داخلي بين الجانبين على بسط النفوذ على المدينة، وصحيح أن الأكراد يتفوقون بالعدة والعديد.
لا سبما وأن العنف، أصبح يتكرر بصورة شبه شهرية بين جماعات مسلحة متحالفة على مضض في مواجهة تنظيم الدولة في العراق وبلاد الشام (داعش)، وذلك منذ طرد هذا التنظيم الإرهابي، من بلدات وقرى في المنطقة عام 2014 .
وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وقع شجار في حاجز تفتيش امتد إلى داخل مدينة طوز خور ماتو، بين المقاتلين التركمان وعناصر قوات البيشمركة الكردية، نجم عنه حرق العديد من المنازل وانقسام المدينة عرقياً إلى مناطق تركمانية وأخرى كردية، ونزوح السكان منها، بحسب هذا التقسيم الإثني الطائفي.
واعتبر المهتمون بالشأن العراقي، أنّ المواجهات كانت نتيجة متوقّعة لتوتر دائم في طوز خور ماتو، مرتبط بمشكلة أعمق تتعلّق بالصراع العرقي والمذهبي المتفاقم في العراق، والمرشّح للتحوّل إلى نزاع مسلّح أوسع نطاقاً، بهدف الاستيلاء على المناطق والسيطرة عليها بقوة السلاح، الذي بلغ انتشاره درجة غير مسبوقة من الفوضى، وصلت حدّ ظهور جيوش موازية يخشى أن تكون وقود حرب أهلية ضارية، تنتظر البلد في مرحلة ما بعد تنظيم (داعش).
ويسعى أكراد العراق، الذين يستندون إلى قوة جيدة التنظيم والتسليح تتوزع بين شرطة تطلق عليها تسمية (الأسايش)، وجيش يعرف بالبيشمركة، إلى توسيع حدود كيانهم، الذي لم تتوان قياداتهم في التعبير عن سعيها لفصله بشكل كامل عن العراق، وفي نفسه الوقت سيكون من الصعب انتزاع أراض من أيدي ميليشيات تركمانبة شيعية مسلّحة، سيطرت عليها بعد استعادتها من (داعش).
وبالتالي يحذّر المراقبون، من أن يكون وقود الحرب الأهلية القادمة في العراق، السلاح الكثير والمتنوع، الذي أصبح بين أيدي الميليشيات المتقابلة من الطرفين، في ظل وجود جيش عراقي مفكك وليس محترفاً!.
() كاتب من العراق